ـ(63)ـ
ولما كانت الغاية الحقيقية من إرسال الرسل هو هداية الناس وإرشادهم، فإننا نجد القرآن الكريم بعد هذه الإشارة إلى قصة موسى وتصديق الحقيقة السابقة يعود فيتحدث عن المفاهيم العامة التي كان يطرحها الرسل، باعتبارها هي غاية دعوة الأنبياء على اختلاف بينهم في أسلوب تحقيق هذه الغاية.
الموضع الثامن:
الآيات التي جاءت في سورة الإسراء وهي قولـه تعالى: [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا](1).
ويلاحظ في هذا المقطع القرآني من القصة مايلي:
أولاً ـ إنه جاء في سياق المطاليب التعجيزية المتعددة التي يقترحها المشركون والكفار على الرسول صلى الله عليه وآله وعدم اكتفائهم بالقرآن الكريم دليلاً ومعجزة على النبوة: [وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا * وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً](2).
ثانياً ـ إن القرآن يناقش هذه المطاليب التعجيزية ويؤكد أن السبب المانع من الهداية هو الحاجز النفسي الذاتي المعبر عنه بـ"الأنا" [وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً] (3).
مع أن مقتضى منطق الأشياء وطبيعة الحال أن يكون الرسول بشراً لا ملكاً، ولو كان سكان الأرض ملائكة يكونون مجتمعاً ملائكياً لبعث إليهم ملكاً رسولا: [قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً](4).
_______________________
1 ـ الإسراء: 101 ـ 104.
2 ـ 89 ـ 92.
3 ـ 94.
4 ـ 95.
