/ صفحة 100 /
في يسر، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث حتى القرن التاسع الميلادي على أقل تقدير ولعل ذلك كان ايمانا منهم بنظرية "اللاحقيقية"، التي با لغوا في الوصول بها إلى أبعد حدودها المنطقية. وقالوا في النهاية: ان النظريات الفلسفية ليس لها حقائق كغيرها من الأشياء، فلا ضرورة اذن لبذل جهد في صياغة تلك النظريات.
وظهر أثر تلك الفلسفة وانعكست أضواؤها على التصوير الفارسي، حيث بدا واضحا أن حقيقة الموضوع ليست شيئا ذا أهمية بل هي ثانوية جدا إذا ما قورنت بالمؤثرات الزخرفية. ويبدو أن الفرس وجدوا أن الاحلام البديعة والخيال الجميل أكثر ايناسا ولذة من الحقائق الجافة الجامدة، حتى ان اعجابهم المجرد بالمنسوجات الغالية والازهار الجميلة والحلى البراقة، لا يختاب عما لو كانت حالة في أشخاص.
ولم يخرج تدوين الفرس للتاريخ عن هذا المبدأ، فلم تكن الحقائق وحدها هي مادة ذلك الموضوع، بل انهم أهملوا كثيراً من حوادث التاريخ واستبدلوا به ما جمعوا من أشعار شعرائهم الذين أحالوا التاريخ أقصوصة عذبة ورواية مملوءة بالخيال.
وتتمثل هذه الاتجاهات في الملحمة الفارسية الكبرى "الشاهنامة" التي ألفها الفردوسي (940 ـ 1020 م) وضمن أشعارها تاريخ ملوك الفرس في ستين ألف بيت استغرقت صياغتها ثلاثين عاما. وعلى الرغم من أن الحقائق ليست هي أكثر تلك الاشعار، فان الفرس يعتبرونها وثيقة تاريخية هامة. ومن أمثلة ما فيها أن أعمال رستم الباهرة استغرفت ثمانية قرون، مع أنه لم يعمر هذه المدة بالطبع.
وقد تدفع الغرابة والدهشة بعض الناس للسؤال عن ذلك، فيجيب الفرس بقولهم: "ليس في الأمر ما يستدعى التفكير، اننا نحن معشر الفرس لا نعطى المسائل كل تلك الاهمية، فلماذا يعطيها السائل كل ذلك الاهتمام؟!
وأخيراً فليس من المهم لدينا أن يعنى الفرس باعطاء المظهر أهمية أكبر من الحقيقة، وإنما يهمنا ويشوقنا اهتمامهم البالغ بالقيم الزخرفية للأشياء ولو على حساب جوهر الموضوع، وهذا وحده هو ما نقدره ونعجب به في الفن الفارسي. (انتهى البحث)