/ صفحه 421/
وللزمخشرى جهود أخرى في خدمة البيان العربى منها تلك الجهود التي اشتمل عليها كتابه:"أساس البلاغه البلغة" هذا الكتاب ـ لا شك ـ نسج وحده، فهو وإن كان كتاب لغة، لكنك تجد فيه مزايا كثيرة غير لغوية، فالزمخشرى لم يذكر المواد اللغوية جافة ـ كما يصنع أصحاب المعاجم ـ وإنما كان يذكر معني الكلمة، ثم يسوق عبارات في استعمالهاتها من كلامه أو كلام الشعراء والخطباء، وهو يقول في ذلك أنه تخير لهذا الكتاب ما وقع في عبارات المتقدمين، وانطوى تحت استعمالات المقلمين من التراكيب التي تملح وتحسن، ولاتنقبض عنها الالسن لجريها رسلات على الاسلات، ومرورها عذبات على العذبات، ويتحدث بأنه اطال البحث والتنقيب في العربية وفلى لهذا الكتاب ما فصح من لغانها وملح من بلاغاتها وما سمع من الاعراب في بواديها، ومن خطباء الحلل في نواديها، كما أنه عنى في كثير من المواد بالفصل بين الحقيقة والمجاز، وهذا شيء أنفرد به عن جميع كتب اللغة، وإن كان لم يذكر ذلك في كل المواد وإن كان يخلط في بعض الاحايين بين المجاز والكناية والتشبيه، مع أن الفوارق بينها واضحة في كتابه الكشاف.
و كان الباعث له على تأليف هذا الكتاب أن يتخرج عليه جيل لغوى عربي فصيح، فحل النثر، جزل الشعر، يناهض
المتقدمين، ويخاطر المقرمين، ولا يرى هذه الغاية بعيدة، ولكنها في حاجة إلى أشياء أخرى غير مطالعة كتابه، (فمن حصل على هذه الخصائص ـ التي ذكرها في كتابه ـ وكان له حظ من الاعراب
برس من علم البيان، وكانت له قبل ذلك قريحة صحيحة، وسليقة سليمة) فقد أو في على الغاية .
ونلاحظ أن جارالله يفته في كل مناسبة يتحدث فيها عن النبوغ في اللغة ودراستها، لم يفته أن يشير إلى ضرورة القريحة الوقادة اللماحة، والسليفة الصحيحة السليمة، وهي نظرة دقيقة لها مغزاها البعيد.