تشييع القائد الشهيد؛

تجلٍّ للقوة الناعمة في العالم الإسلامي وإعادة قراءة للمكانة العابرة للحدود للمرجعية الدينية

تجلٍّ للقوة الناعمة في العالم الإسلامي وإعادة قراءة للمكانة العابرة للحدود للمرجعية الدينية

إنّ التحولات الكبرى في التاريخ لا تتشكل دائماً في ميادين الحروب أو على طاولات الدبلوماسية؛ فكثيراً ما تكشف مناسبةٌ عامة عن معادلات اجتماعية وثقافية تتجاوز في تأثيرها العديد من الأحداث السياسية. وفي هذا السياق، ينبغي تحليل مراسم تشييع القائد الشهيد، إذ لم تكن مجرد مراسم لتوديع قائد ديني وسياسي، بل مثلت مشهداً يعكس الإمكانات الحضارية للعالم الإسلامي، ويبرز المكانة العابرة للحدود الوطنية للمرجعية الدينية، كما يجسد قدرة الأمة الإسلامية على صناعة التماسك والتضامن.

وما يميز هذه المراسم عن تشييع كثير من الشخصيات السياسية في العالم أن جمهورها لم يقتصر على الشعب الإيراني. فقد أُقيمت مراسم التشييع وإحياء الذكرى في طهران، وقم، ومشهد، والنجف، بالتزامن مع موجة واسعة من مراسم التأبين وإحياء الذكرى في عدد من البلدان الإسلامية، الأمر الذي يؤكد أن هذا الحدث لا يمكن تفسيره في إطار الحدود الوطنية الضيقة. كما أن اتساع نطاق التفاعل معه، من غرب آسيا إلى جنوب آسيا، مروراً بمختلف المجتمعات الإسلامية، يدل على أن هذه المناسبة أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للعالم الإسلامي.

وتكشف هذه الحقيقة أيضاً عن موقع المرجعية الدينية من زاوية مختلفة. فالمرجعية في التقليد الإسلامي ليست مجرد مؤسسة تُعنى ببيان الأحكام الشرعية، بل تُعد أحد أهم مصادر إنتاج الثقة الاجتماعية، وتعزيز التماسك الديني، وتوجيه الوعي الفكري للأمة. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن المرجعية استطاعت، في المنعطفات المصيرية، أن تنسج روابط تتجاوز الحدود السياسية بين الشعوب الإسلامية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تشييع القائد الشهيد بوصفه تجسيداً لرأس المال الاجتماعي الذي تمتلكه المرجعية على مستوى العالم الإسلامي؛ وهو رأس مال تراكم عبر عقود من الثقة الشعبية، والتواصل المستمر مع المجتمعات الإسلامية، والحضور الفاعل في القضايا الكبرى التي تشغل الأمة.

ولا تقتصر الأهمية الدولية لهذه المراسم على حجم المشاركة الجماهيرية فيها، بل تتمثل أهميتها في بروز شبكة واسعة من التضامن الديني والاجتماعي تعمل خارج الأطر الرسمية للدول. فمشاركة الوفود العلمية، والشخصيات الدينية، والمفكرين، والناشطين الثقافيين، ومختلف فئات المجتمع من بلدان متعددة، تؤكد أن الروابط الجامعة للعالم الإسلامي ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على إنتاج أشكال واسعة من الفعل الاجتماعي العابر للحدود.

ومن الضروري، في هذا السياق، ألا يُنظر إلى هذا الحدث من زاوية المجتمع الشيعي وحده. فقد انصب جانب مهم من خطاب القائد، على مدى العقود الماضية، على قضايا تمثل هماً مشتركاً للأمة الإسلامية، بدءاً من الدفاع عن القضية الفلسطينية، ودعم الشعوب الإسلامية، مروراً بالتأكيد على وحدة الأمة، والتقريب بين المذاهب الإسلامية، وصولاً إلى مواجهة التيارات التكفيرية ورفض المشاريع الهادفة إلى إثارة الفرقة والانقسام. وقد أسهم هذا التوجه في أن يمتد صدى هذه المراسم إلى ما هو أبعد من الأوساط الشيعية، ليحظى باهتمام طيف واسع من العلماء، والنخب الفكرية، والتيارات الإسلامية المختلفة، بوصفه حدثاً ذا دلالات استراتيجية.

ومن منظور دراسات العلاقات الدولية، تمثل هذه المراسم نموذجاً لافتاً لمفهوم «القوة الناعمة» في العالم الإسلامي. فالقوة الناعمة تتحقق عندما تتمكن فكرة أو شخصية من كسب ثقة الشعوب واستقطاب تأييدها دون الاعتماد على أدوات الإكراه أو القوة المادية. وتعكس المشاركة الشعبية الواسعة في مراسم التشييع وإحياء الذكرى أن الرصيد الثقافي والديني والأخلاقي ما يزال أحد أهم عناصر التأثير في التفاعلات الإقليمية، رغم أن كثيراً من التحليلات السياسية التقليدية لا تمنحه ما يستحقه من اهتمام.

ومن ناحية أخرى، أعادت هذه المناسبة التذكير بإحدى السمات التاريخية للمرجعية الدينية في العالم الإسلامي، وهي أنها ليست مؤسسة ترتبط بحياة شخص بعينه، بل هي مؤسسة تاريخية متجددة وقادرة على الاستمرار. فقد تحولت وفاة كبار المراجع في التاريخ المعاصر مراراً إلى مناسبة لإعادة إنتاج رأس المال الاجتماعي، وتجديد العلاقة بين الأمة ومؤسسة المرجعية، والتأكيد على استمرار دورها في التوجيه الفكري والاجتماعي للمسلمين. ومن هذه الزاوية، فإن تشييع القائد الشهيد يُعد امتداداً لهذا التقليد التاريخي؛ التقليد الذي تتحول فيه خسارة الشخصية إلى عامل يعزز مكانة المؤسسة ويؤكد استمرارية رسالتها.

وفي الختام، فإن الأهمية الحقيقية لهذه المراسم تكمن في الرسالة التي وجهتها إلى العالم، ومفادها أن العالم الإسلامي، على الرغم من تنوعه القومي واللغوي والثقافي والمذهبي، لا يزال يمتلك القدرة على بناء أشكال واسعة من التضامن والانسجام حول منظومة مشتركة من القيم والمبادئ. وإذا كانت زيارة الأربعين تمثل أكبر تجلٍّ للحراك الشعبي في العالم الإسلامي، فإن تشييع القائد الشهيد يمكن أن يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز مظاهر تقارب الشعوب الإسلامية وتجليات القوة الناعمة للأمة الإسلامية خلال العقود الأخيرة. وعليه، فإن هذا الحدث لم يكن مجرد نهاية لمسيرة قائد، بل كان إعادة قراءة لقدرات أمة، وتأكيداً متجدداً على الدور المحوري الذي تؤديه مؤسسة المرجعية في صيانة وحدة العالم الإسلامي، وحفظ هويته، ورسم آفاق مستقبله.