معرفة العدو في مدرسة القائد الشهيد؛
الشرط التأسيسي لوحدة الأمة الإسلامية واستقلالها
تُعدّ معرفة العدو إحدى الركائز الأساسية في المدرسة الفكرية للقائد الشهيد، بوصفها مبدأً معرفياً واستراتيجياً في آنٍ واحد. ففي هذه المنظومة الفكرية، لا يقتصر مفهوم معرفة العدو على تحديد دولة بعينها أو فاعل سياسي معين، بل يمتد ليشمل فهم آليات الهيمنة، وأنماط الاستعمار، ووسائل الاختراق، وأساليب إعادة تشكيل هوية الشعوب وتوجيه وعيها. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الاستعمار بوصفه ظاهرةً تاريخية انقضى زمنها، وإنما باعتباره بنيةً متحولةً وديناميكية، تُغيّر أدواتها وخطابها باستمرار، مع حفاظها على أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في الهيمنة والسيطرة وإدامة التبعية.
وقد كان القائد الشهيد ينظر إلى الاستعمار، قبل أن يكون ظاهرةً عسكرية أو اقتصادية، باعتباره «منطقاً للهيمنة»؛ منطقاً يوظف الأدوات الإعلامية، والثقافية، والاقتصادية، والأمنية، بهدف إضعاف استقلال الشعوب، وتقويض الهوية الإسلامية، وإثارة الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية. ومن ثمّ، فإن مواجهة الاستعمار في فكره لا تعني مجرد التصدي لقوةٍ خارجية، بل تمثل مقاومةً شاملةً لـ«الفكر الاستعماري» وللآليات التي تعيد إنتاج الهيمنة بأشكالها الجديدة.
ومن السمات البارزة لهذا التصور التمييز بين الشعوب وسياسات الهيمنة التي تنتهجها بعض الحكومات. ومن هذا المنطلق، فإن نقد سياسات القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، لا يستند إلى خلافات سياسية ظرفية، بل يقوم على قراءةٍ تاريخية لسلوك منظومة الهيمنة في تعاملها مع استقلال الشعوب وقضايا العالم الإسلامي. وقد أكد القائد الشهيد مراراً أن معرفة العدو تمثل شرطاً للعقلانية السياسية، وعنصراً أساسياً في تحقيق المناعة المجتمعية؛ لأن الغفلة عن طبيعة العدو وأساليب عمله تفتح المجال أمام الاختراق، والتبعية، وإهدار القدرات الاستراتيجية للأمة الإسلامية.
وفي هذا السياق، شدّد القائد الشهيد، خلال لقائه بالنخب العلمية في البلاد عام 2017م، على أن «معرفة العدو» و**«معرفة أساليب عدائه»** تمثلان من أهم متطلبات يقظة الشعوب، محذراً من أن أخطر ما يواجه أي مجتمع هو تطبيع التهديدات، وفقدان القدرة على تشخيص استراتيجيات الهيمنة. وبهذا المعنى، ترتقي معرفة العدو من مجرد مفهومٍ أمني إلى ضرورةٍ معرفية وحضارية، تُسهم في حماية الوعي الجمعي وصيانة الاستقلال الحضاري للأمة.
ومن منظور الدراسات الحضارية، تتجلى أهمية هذا الطرح في أن تحقيق وحدة الأمة الإسلامية لا يمكن أن يتم من دون إدراك العوامل المنتجة للفرقة، وفهم المشاريع الهادفة إلى تأجيج الانقسامات الداخلية. وتؤكد التجربة التاريخية للعالم الإسلامي أن كثيراً من الانقسامات القومية، والمذهبية، والسياسية، كانت نتيجةً لاستثمار القوى الاستعمارية في التباينات الداخلية وتوظيفها لخدمة مصالحها. ولهذا، كان القائد الشهيد يؤكد باستمرار أن معرفة العدو ينبغي أن تتلازم مع معرفة الذات، وإدراك الهوية الحضارية، وتعزيز الوحدة؛ لأن إهمال أيٍّ من هذه الأبعاد يهيئ البيئة المناسبة لإعادة إنتاج الهيمنة واستمرار التبعية.
وفي رؤيته الفكرية، لا تعني معرفة العدو أبداً إثارة الكراهية بين الشعوب أو رفض الحوار مع العالم، وإنما تعني امتلاك البصيرة الاستراتيجية، وصيانة الاستقلال، ومنع الاختراق، وحماية المصالح العليا للأمة الإسلامية. ولذلك، فإن الانفتاح على العالم والتفاعل معه لا يكتسبان قيمةً حقيقية واستدامةً إلا إذا استندا إلى مبادئ العزة، والحكمة، والمصلحة، ولم يؤديا إلى الارتهان للقوى الخارجية أو القبول ببنى الهيمنة الدولية.
ويرتبط هذا التصور ارتباطاً وثيقاً بنظرية الحضارة الإسلامية الحديثة؛ فالحضارة التي تقوم على الاستقلال، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والأمن الجماعي، والتعاون بين الشعوب الإسلامية، لا يمكن أن تتبلور من دون وعيٍ عميق بآليات الهيمنة ومشروعات الاستعمار الجديد. ومن ثم، فإن معرفة العدو ليست استراتيجيةً مرحلية أو استجابةً ظرفية، بل هي جزءٌ من مشروع بناء الحضارة الإسلامية، وأحد الشروط الأساسية لتحقيق وحدةٍ راسخة ومستدامة للأمة الإسلامية.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن أحد أبرز الموروثات الفكرية التي تركها القائد الشهيد للعالم الإسلامي يتمثل في تحويل «معرفة العدو» من مفهومٍ سياسي محدود إلى نظريةٍ استراتيجية متكاملة في مجالات الحوكمة، والهوية، وبناء الحضارة؛ نظريةٍ تهدف في غايتها النهائية إلى صيانة استقلال الشعوب، وتعزيز التضامن الإسلامي، وتهيئة الأسس اللازمة لبناء حضارةٍ تقوم على العدالة، والكرامة الإنسانية، والقيم الروحية.
