على حلاوي*
المؤتمر الدولي الـ 40 للوحدة الاسلامية
إن أهمية لا ينبغي أن تقاس بعدد الكلمات التي ألقيت فيه أو مدى تشابهها في التأكيد على المشتركات، وإنما بقدرته على فتح مساحات جديدة للتفكير، والخروج بأفكار قابلة للتطبيق، وربط مشروع التقريب بالقضايا الحقيقية التي تشغل المسلمين اليوم.
لعل من أبرز ما يمكن ملاحظته في الكلمات التي أُلقيت خلال مؤتمر الوحدة الاسلامية الدولي الاربعين هذا العام، أنها ـ رغم تنوع المتحدثين واختلاف مواقعهم وتجاربهم ـ تلتقي في مساحة واسعة حول عدد من الأفكار الأساسية التي تشكل جوهر مشروع التقريب كما طرحه سماحة السيد الخامنئي؛ وفي مقدمتها أن الوحدة الإسلامية ليست ترفاً فكرياً، وأن التقريب لا يعني إلغاء الاختلاف المذهبي، وإنما تحويله من مصدر للتنازع إلى مساحة للحوار والتعارف والتعاون.
وهذا التوافق في الرؤية يمثل نقطة قوة مهمة؛ لأنه يكشف عن رسوخ فكرة التقريب واتساع دائرة الإيمان بضرورتها. لكن في الوقت نفسه، فإن تكرار المفردات نفسها في معظم الكلمات يطرح سؤالاً آخر أكثر إلحاحاً: هل وصلنا في مشروع التقريب إلى مرحلة أصبحنا فيها بحاجة إلى الانتقال من الحديث عن أهمية التقريب إلى البحث في كيفية تحقيقه؟
فالأمة اليوم لا تفتقر إلى الكلمات التي تؤكد الوحدة، ولا إلى البيانات التي تدعو إلى نبذ الفرقة، وإنما تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى إجابات عملية عن الأسئلة التي فرضتها الظروف الجديدة؛ كيف يمكن تحويل التقريب من خطاب نخبوي إلى ثقافة عامة؟ وكيف يمكن التعامل مع الخطاب المذهبي المتشنج الذي يجد طريقه بسهولة إلى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؟ وكيف يستطيع علماء المذاهب ومؤسساتها أن يقدموا نموذجاً عملياً للتعاون في القضايا التي تتجاوز حدود الانتماء المذهبي؟
ولذلك فإن أهمية "المؤتمر الأربعين" لا ينبغي أن تقاس بعدد الكلمات التي ألقيت فيه أو مدى تشابهها في التأكيد على المشتركات، وإنما بقدرته على فتح مساحات جديدة للتفكير، والخروج بأفكار قابلة للتطبيق، وربط مشروع التقريب بالقضايا الحقيقية التي تشغل المسلمين اليوم.
وقد يكون من المفيد أن ننظر إلى التقريب، في هذه المرحلة، لا باعتباره مجرد معالجة للخلافات بين المذاهب، بل باعتباره مشروعاً لبناء وعي إسلامي قادر على استيعاب التنوع، وعلى التمييز بين الاختلاف الذي يمكن أن يكون ثراءً فكرياً، والخلاف الذي يتحول إلى أداة للتفتيت والصراع.
من هنا تبدو الحاجة إلى مؤتمر الوحدة الاسلامية الأربعين أكبر من مجرد استمرار تقليد بدأ قبل عقود؛ فالمطلوب أن يكون محطة للمراجعة والتجديد، وأن يضيف إلى رصيد المؤتمرات السابقة شيئاً جديداً، سواء على مستوى الفكر أو الخطاب أو العمل. وإذا كانت الكلمات قد التقت في معظمها حول المبادئ التي أكد عليها السيد الشهيد الخامنئي (رض) في مشروع التقريب، فإن التحدي الحقيقي يكمن في أن نلتقي أيضاً حول ما الذي ينبغي أن نفعله بهذه المبادئ، وكيف نحولها إلى واقع يلمسه المسلمون في حياتهم ومواقفهم وعلاقاتهم.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الحقيقية للمؤتمر الدولي الـ 40 للوحدة الاسلامية، وتكمن أيضاً مسؤوليته في المرحلة المقبلة.
