الكرامة الحسينية في مواجهة الإقصاء المذهبي
لماذا يتعارض الإساءة إلى الزائرين الإسماعيليين في مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) مع مدرسة عاشوراء؟
إنّ حادثة الإساءة إلى مجموعةٍ من زائري طائفة البُهرة الإسماعيلية في المرقد الطاهر للإمام الحسين (عليه السلام)، والتي وقعت خلال الأيام الأخيرة، تُعدّ – بصرف النظر عن الجهة أو الأفراد الذين ارتكبوها – حادثةً مؤسفةً تتنافى مع روح مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). فمرقد سيد الشهداء (عليه السلام) هو بيتٌ لكل من يقصده بمحبةٍ واحترام، وليس لأي فردٍ أو جماعةٍ أن تدّعي احتكار هذا الحرم الشريف أو تنصّب نفسها معياراً للحكم على إيمان الآخرين.
وإذا لم ننظر إلى عاشوراء بوصفها مجرد واقعة تاريخية، بل باعتبارها مدرسةً للأخلاق والكرامة وهداية الإنسان، فإنّ كل سلوكٍ يؤدي إلى إهانة الناس، أو بثّ الكراهية المذهبية، أو انتهاك حرمة الزائرين، يقف على النقيض تماماً من سيرة الإمام الحسين (عليه السلام). فنهضة الإمام الحسين، قبل أن تكون ساحةً للسيف، كانت ميداناً للأخلاق، وقبل أن تكون مواجهةً عسكرية، كانت مشروعاً لإحياء كرامة الإنسان.
كرامة الإنسان؛ مبدأ يتجاوز الخلافات المذهبية
يقرر القرآن الكريم هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، حيث يجعل الكرامة عطيةً إلهيةً تشمل جميع البشر، دون تمييزٍ على أساس العرق أو القومية أو اللغة أو الانتماء المذهبي. وهذه الكرامة الذاتية حقٌّ يجب على الجميع احترامه، ولا يمكن لأي خلافٍ عقدي أن يبرر الاعتداء على شخصية الإنسان أو سمعته أو حرمته.
وتجسد سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) هذا المبدأ القرآني بأوضح صوره؛ فقد بقي ملتزماً بالأخلاق حتى في مواجهة من شهروا السلاح في وجهه. فإذا كان الإمام قد رأى أن شِمر بن ذي الجوشن – على الرغم من فسقه الواضح – يستحق الرد على كلامه، وقال للعباس (عليه السلام): «أجيبوه وإن كان فاسقاً»، فكيف يمكن تبرير الإساءة إلى زائرين لم يرتكبوا أي عمل عدائي، وإنما قصدوا كربلاء للزيارة، باسم الدفاع عن التشيع أو الغيرة الدينية؟
مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ميدان للهداية لا ساحة للإقصاء
من أبرز خصائص نهضة عاشوراء احترام الإمام الحسين (عليه السلام) لحرية اختيار الإنسان. فقد رفع البيعة عن أصحابه ليلة عاشوراء، ولم يُكره أحداً على البقاء معه، بل ترك لكل واحدٍ منهم حرية اتخاذ قراره.
وهذا المنطق لا ينسجم مع الممارسات القائمة على الإكراه أو الإهانة أو الإقصاء أو إشعار المسلمين الآخرين بعدم الأمان. فإذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد حافظ على كرامة الإنسان في أصعب ظروف المعركة، فكيف يجوز انتهاك كرامة زائرين داخل حرمه الشريف لمجرد انتمائهم المذهبي؟
إنّ الحرم الحسيني ينبغي أن يكون فضاءً للسكينة، والحوار، والنصح بالحكمة، والدعوة إلى الحق، لا ساحةً لتصرفاتٍ تُظهر أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بمظهرٍ يتنافى مع أخلاقهم ورسالتهم.
الفرق بين النقد العقدي وانتهاك الكرامة
لا شك أن الحوار العلمي حول الخلافات الكلامية والفقهية بين المذاهب الإسلامية، بل وحتى بين الفرق المختلفة، أمرٌ مشروع، وهو جزءٌ أصيل من التراث العلمي الإسلامي. كما أن نقد الأفكار ليس ممنوعاً، بل يسهم في تنمية المعرفة الدينية متى التزم المنهج العلمي، والاستدلال الرصين، والأدب في الحوار.
غير أن ما وقع لا يندرج ضمن النقد العلمي، وإنما هو اعتداءٌ على كرامة أناسٍ دخلوا مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفهم زائرين. وإن تحويل الخلافات العقدية إلى ممارساتٍ مهينة لا يستند إلى منطق القرآن الكريم، ولا ينسجم مع سيرة أهل البيت (عليهم السلام).
عاشوراء؛ مدرسة لاستقطاب الناس لا لإقصائهم
ومن أجمل صور الكرامة الإنسانية في عاشوراء، موقف الإمام الحسين (عليه السلام) من الحر بن يزيد الرياحي. فهذا الرجل الذي اعترض طريق الإمام، ما إن أدرك الحقيقة حتى استقبله الإمام دون أدنى إهانة أو توبيخ، ولم يجعل ماضيه سبباً لتحقيره، بل أعاد إليه كرامته وفتح له باب التوبة.
وتكشف هذه السيرة أن المنهج الحسيني يقوم على فتح أبواب العودة والحوار، لا على إغلاقها أو إذلال الناس. وكل سلوكٍ يؤدي إلى تنفير القلوب من أهل البيت (عليهم السلام) يتعارض مع فلسفة نهضة عاشوراء؛ لأن الإمام الحسين (عليه السلام) خرج لهداية الناس، لا لتعميق الانقسامات وإثارة الأحقاد.
آثار تتجاوز حدود التصرف الفردي
إنّ الممارسات المسيئة في الأماكن المقدسة ليست مجرد خطأٍ أخلاقي، بل قد تخلّف آثاراً واسعة على العالم الإسلامي. فهي توفر مادةً دعائية للتيارات التي تسعى منذ سنوات إلى تصوير الشيعة بوصفهم جماعةً إقصائية لا تنسجم مع سائر المسلمين. وفي ظل ما تواجهه الأمة الإسلامية من تحديات سياسية وأمنية وثقافية، فإن كل تصرفٍ يفضي إلى تعميق الانقسامات المذهبية يخدم – ولو من غير قصد – مشاريع التفرقة.
ومن جهةٍ أخرى، فإن هذه التصرفات تتعارض مع الرسالة التاريخية للعتبات المقدسة. فقد كانت كربلاء عبر التاريخ مقصداً للمسلمين على اختلاف انتماءاتهم، وشكلت محبة الإمام الحسين (عليه السلام) واحدةً من أهم القواسم المشتركة بين أبناء الأمة الإسلامية. وتحويل هذا المشترك إلى ساحة نزاع يُعدّ تشويهاً واضحاً لرسالة عاشوراء.
مسؤولية أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
إن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) هم أولى الناس بتمثيل أخلاق أهل البيت وسلوكهم. والدفاع عن العقيدة لا تكتمل قيمته إلا إذا اقترن بالأدب، والحكمة، واحترام كرامة الإنسان. أما الإهانة، والتحقير، والانفعال، فلا تسهم في نصرة الحقيقة، بل تحجبها خلف ممارساتٍ تسيء إليها.
وإذا كانت سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) هي المعيار، فإن أول واجباتنا صيانة كرامة الإنسان، وإكرام الزائرين، والالتزام بآداب الإسلام، واجتناب كل ما يثير الفرقة. فعاشوراء تعلمنا ألا نتجاوز حدود الأخلاق حتى في مواجهة الأعداء؛ ومن ثم فإن الإساءة إلى زائرين حضروا إلى مرقد سيد الشهداء (عليه السلام) بقصد الزيارة لا تمثل دفاعاً عن التشيع، بل تعكس ابتعاداً عن الأخلاق الحسينية.
واليوم، أصبح العالم الإسلامي أحوج ما يكون إلى العودة إلى هذا المنطق؛ منطقٍ يقدّم كرامة الإنسان على الكراهية، والحوار على الإهانة، والهداية على الإقصاء. فإذا كانت كربلاء مدرسةً للكرامة الإنسانية، فإن أول دروسها أن أحداً لا يملك الحق في أن ينتهك حرمة إنسانٍ آخر باسم الإمام الحسين (عليه السلام).
أمل علي بور
رئيس تحرير المواقع الإلكترونية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
