من «الوحدة» إلى «قوة الأمة»؛
إعادة قراءة تراثٍ استراتيجي
تكرّر الحديث عن الوحدة الإسلامية خلال العقود الأخيرة مراراً، في البيانات والمؤتمرات والخطابات والمناسبات الرسمية. غير أنّ السؤال الأساسي ظلّ قائماً: لماذا، رغم هذا الكمّ من التأكيد على الوحدة، لا يزال العالم الإسلامي يواجه التشتّت السياسي، والانقسامات المذهبية، والتبعية الخارجية، والعجز عن بلورة موقف مشترك فاعل؟ ولعلّ إحدى أبرز سمات فكر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في قضية الوحدة الإسلامية يمكن البحث عنها تحديداً في الإجابة عن هذا السؤال: كيف يمكن نقل الوحدة من كونها توصية أخلاقية وشعاراً وجدانياً إلى آلية لإعادة بناء قوة الأمة؟
وفق هذا المنظور، لا تعني الوحدة مجرّد الحدّ من الخلافات أو دعوة المسلمين إلى حسن التعامل فيما بينهم. فالاختلافات العلمية والفقهية والتاريخية بين المذاهب الإسلامية حقيقة لا يمكن إنكارها، ولا يمكن لأي مشروع عقلاني أن يقوم على إلغائها أو تجاهلها. إنما تكمن المشكلة الأساسية في تحويل الاختلاف إلى خصومة، وتحويل التنوّع المذهبي إلى ساحة للصراع السياسي والأمني. ومن هنا، ينبغي البحث عن أحد أهم أبعاد التراث التقريبي للإمام الخامنئي في تغيير منطق التعامل مع الاختلاف؛ وهو منطق يؤكد، بدلاً من توحيد المذاهب على نحو قسري، على إدارة الاختلاف والحيلولة دون تحوّله إلى شرخ في جسد الأمة.
وينقل هذا النهج الوحدة الإسلامية من مستوى «الاتفاق على كل شيء» إلى مستوى أكثر واقعية: التعاون على أساس المشتركات، مع الحفاظ على الهويات المذهبية. فليس من الضروري أن يتخلّى الشيعة والسنّة وسائر التيارات الإسلامية عن جميع اختلافاتهم من أجل بناء أمة قوية؛ وإنما الضروري هو الحيلولة دون تحوّل هذه الاختلافات إلى أداة بأيدي أعداء الأمة لإنتاج صراعات استنزافية.
ومن هذا المنطلق، لم تبقَ الوحدة في فكر الإمام الخامنئي مجرّد مفهوم نظري، بل اتجهت نحو بناء المؤسسات. ويكشف إنشاء مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية وتعزيزه، وتوسيع أدبيات أسبوع الوحدة، ودعم الحوارات والمؤتمرات الدولية بين علماء المذاهب ومفكريها، عن حقيقة مفادها أنّ الوحدة، من دون بنية وآليات، تكون عرضة للتحوّل إلى شعار موسمي. فالفكرة التي لا تنتج مؤسسة يسهل أن تُنسى بتغيّر الظروف والأشخاص؛ أما حين تنتظم في إطار شبكة علمية، وتواصل بين العلماء، وحوار مستمر، وبرنامج عملي، فإنها تستطيع أن تتحول إلى تيار مستدام.
ومع ذلك، فلعلّ ما هو أهم من بناء المؤسسات هو تحديد الحدود الأخلاقية والشرعية للوحدة. فالفتوى الصريحة بحرمة الإساءة إلى المقدسات والشخصيات التي تحظى بالاحترام لدى أهل السنّة، ليست مجرّد موقف فقهي في نزاع مذهبي؛ بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من هندسة الأمن الاجتماعي للأمة الإسلامية. فكثير من الحروب المذهبية تبدأ باللغة قبل أن تبدأ بالسلاح. فالتنقّص والإهانة واستثارة المشاعر ونشر الكراهية تمثّل المرحلة الأولى في انتقال الاختلاف الفكري إلى نزاع اجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن مواجهة التكفير ليست مجرّد دفاع عن جماعة مذهبية بعينها، بل هي دفاع عن مبدأ بقاء الأمة. فعندما يتجاوز التكفير نطاق النقاش الكلامي المحدود ويتحوّل إلى أداة للإقصاء السياسي والاجتماعي، فإنه يعمل عملياً على تفكيك حدود «الأمة» من الداخل. والجماعات التي تُخرج بعضها بعضاً من دائرة الإسلام ستستنزف، قبل أن تواجه عدوّها الخارجي، قدراتها وطاقاتها في صراعات داخلية. ولذلك ينبغي النظر إلى مكافحة التكفير بوصفها جزءاً من استراتيجية مواجهة استنزاف القوة الداخلية للعالم الإسلامي.
وفي هذا السياق، تتمثل إحدى أهم خصائص هذا المنظور في الربط المباشر بين الوحدة وقضية القوة. فالوحدة، في هذا الإطار الفكري، ليست غاية نهائية، بل شرطاً لتشكّل القوة الجماعية للأمة. والأمة التي تفتقر إلى موقف مشترك تجاه قضاياها المصيرية، لا تستطيع، كذلك، أن تتحول إلى فاعل مستقل في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية.
ويمكن ملاحظة المثال الواضح على ذلك في قضية فلسطين. ففلسطين، وفق هذا المنظور، ليست مجرد قضية شعب أو منطقة جغرافية، بل هي اختبار لمدى واقعية مفهوم «الأمة الإسلامية». فإذا تحوّل المسلمون إزاء قضية تتصل بأمن جزء من العالم الإسلامي وكرامته ومصيره إلى مجموعة من الدول والجماعات المتفرقة والمنفعلة، فمن الطبيعي أن يختزل مفهوم الأمة إلى مجرد عنوان تاريخي ووجداني.
وهنا تتجلّى المسافة بين التعاليم القرآنية وواقع العالم الإسلامي. فالقرآن يتحدث عن الأخوّة الإيمانية والاعتصام الجماعي، في حين أن الواقع السياسي للعالم الإسلامي غالباً ما يقدم صورة عن التشتّت، والتنافسات الاستنزافية، والتبعية، والعجز عن اتخاذ قرار مستقل. ومن ثمّ، فإن مشكلة المسلمين اليوم لا تتمثل في مجرد اختلافهم فيما بينهم؛ بل إن السؤال الأهم هو: لماذا تمتلك الخلافات القائمة كل هذه القدرة على التحول إلى أزمات مدمّرة؟
ولا يمكن البحث عن الإجابة في العوامل الخارجية وحدها. ولا شك في أن القوى الخارجية قد أسهمت في تعميق الانقسامات القومية والمذهبية، ولا تزال تفعل ذلك، غير أن أي مشروع للتفرقة لا يمكن أن ينجح في مجتمع يمتلك من الداخل القوة والثقة والتماسك. وبعبارة أخرى، تصبح التدخلات الخارجية مؤثرة عندما تكون الانقسامات الداخلية قد وفّرت لها مسبقاً إمكانات الاستغلال.
ومن هنا، ينبغي أن تبدأ إعادة بناء الأمة الإسلامية من الداخل. ويمكن النظر إلى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ في هذا الإطار بوصفها أساساً لنظرية في التغيير الاجتماعي. فالتغيير في واقع العالم الإسلامي يحتاج، قبل كل شيء، إلى تغيير في طريقة نظر المسلمين إلى أنفسهم، وإلى اختلافاتهم، وإلى قضية القوة. ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تتوقع الاقتدار وهي تعاني التشتّت، أو أن تتحدث عن الاستقلال وهي ترزح تحت التبعية.
وفي هذا الإطار أيضاً، تقدم السيرة النبوية نموذجاً مختلفاً عن الثنائيات التبسيطية. فالمشروع النبوي ليس دعوة إلى الحرب الدائمة، ولا استسلاماً أمام العدوان؛ بل يقيم توازناً بين السلم، والعهد، والتعايش، والدفاع عن أمن المجتمع. وتُعدّ صحيفة المدينة نموذجاً لهذا العقل السياسي؛ إذ تبيّن إمكانية تنظيم مجتمع متعدّد على أساس العهد، والمسؤولية المشتركة، والدفاع عن الأمن العام.
وعليه، لا ينبغي فهم الوحدة الإسلامية على أنها انفعال أو تجاهل للتهديدات. فالأمة الواحدة، بقدر ما ينبغي لها أن تعزّز في داخلها أجواء الحوار والاحترام والتعايش، ينبغي لها أيضاً أن تمتلك في مواجهة العدوان والتهديد القدرة الدفاعية والقوة الرادعة. فالسلام من دون قوة يكون عرضة بسهولة للفرض والإملاء، كما أن القوة من دون تماسك سرعان ما تستنزف.
ولعلّ تراث الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في مجال الوحدة الإسلامية يمكن تلخيصه عند هذه النقطة تحديداً: الوحدة ليست ترتيباً دعائياً للمناسبات، بل هي جزء من نظرية القوة والعزّة للأمة الإسلامية. فهذا التراث يدعو المسلمين إلى الانتقال من الوحدة الخطابية إلى الوحدة المؤسسية، ومن التعايش السلبي إلى التعاون الاستراتيجي، ومن التأكيد على المشتركات الذهنية إلى بلورة مواقف مشتركة إزاء القضايا الواقعية في العالم الإسلامي.
واليوم، ليس السؤال الأساسي هو ما إذا كان المسلمون بحاجة إلى الوحدة أم لا؛ فقد أجابت تجربة العقود الماضية عن هذا السؤال بوضوح. وإنما السؤال الأهم هو: هل يستطيع العالم الإسلامي، من دون إعادة تعريف العلاقة بين الوحدة والقوة، أن يخرج من دائرة الأزمات المتلاحقة؟
وما دامت الوحدة لا تتجاوز مستوى الخطاب، فستظل الأمة تدفع ثمن تشتّتها. أما إذا تحوّلت الوحدة إلى شبكة من الروابط العلمية، والمؤسسات الفاعلة، والحدود الأخلاقية الواضحة، وأشكال التعاون السياسي، والمواقف المشتركة إزاء التهديدات الحقيقية، فعندئذ يمكن الانتقال من مرحلة «الدعوة إلى الوحدة» إلى المرحلة الأصعب، والأكثر ضرورة، أي بناء القوة المشتركة للأمة الإسلامية.
ولعلّ أهمية هذا التراث اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تكمن تحديداً في هذه النقطة: إن الأمة الإسلامية، لكي تصبح قوية، ينبغي لها أولاً أن تتعلم قبول الاختلاف، وإدارة التباين، والحفاظ على حدود الأخوّة، والبحث عن قوتها لا في إقصاء الآخر، بل في قدرتها الجماعية.
