المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية في عامه السادس و العشرين
إذا ما ألقينا نظرة الى الاهداف التي يتطلع اليها المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية - وفقاً لنظامه الاساسي - و تأملنا في الاوضاع التي تعصف بالعالم الاسلامي في الظرف الراهن، يتضح جيداً مدى اهمية هذه المؤسسة من بين المؤسسات الأخرى ، و مدى الحاجة الى توسيع نطاق الانشطة و الفعاليات التي تقوم بها ، بدافع التصدي للسياسات المثيرة للخلافات والفرقة ، و ارساء أسس " الوحدة الاسلامية " . خاصة اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن دعوة " المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية " للوحدة و العمل من أجلها - و على حد قول آية الله الاراكي الامين العام للمجمع - ، " ليست مجرد تكتيك أو بناءً على اهداف سياسية معينة ، و إنما استراتيجية اصيلة نابعة من العقيدة الاسلامية " .
و انطلاقاً من هذه الرؤية ، استطاع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية خلال السنوات الخامسة و العشرين الماضية ، أن ينجز بنجاح مرحليتين هامتين من اهدافه الاستراتيجية ، و ها هو اليوم يمضى قدماً على طريق تجسيد المرحلة الاهم و الاشمل من اهدافه و طموحاته على صعيد العالم الاسلامي بأسره .
و من الواضح أن المرحلة الاولى من نشاط مجمع التقريب تمحورت حول " التنظير للتقريب " . و بالتعاون وتضافر جهود مراكز الابحاث و الدراسات التابعة للمجمع ، عمل مجمع التقريب على اعداد و تدوين مجموعة قيمة في هذا المجال . و بعد الانتهاء من هذه المرحلة ، انتقل المجمع في نشاطه الى المرحلة الثانية التي تمحورت حول ما عرف بـ " ثقافة التقريب " ، حيث بذل المجمع ما بوسعه لنشر ثقافة التقريب على صعيد العالم الاسلامي . و في ظل تضافر الجهات المختصة التابعة له ، نجح المجمع في نشر و تعميم " قضية الوحدة و التقريب بين المذاهب الاسلامية " في العالم الاسلامي ، و ترسيخ وجودها في توجهات المسلمين و العمل من أجلها .
و على اعتاب الولوج الى المرحلة الثالثة التي حملت شعار " التجسيد العملي و الميداني لأنشطة التقريب " ، كانت ثمة حاجة الى تأسيس مراكز و مؤسسات تأخذ على عاتقها مهمة احتواء الطاقات و الامكانات المتوافرة في المجالات الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية و السياسية ، و العمل على بلورتها و نظمها ، و من ثمّ جلب و استقطاب الجهود المخلصة والفاعلة و المؤثرة في اشاعة و نشر الانشطة التقريبية في جميع المجالات و على كافة المستويات . و في هذا الصدد أقدم المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية على تأسيس كل من : 1 - الاتحاد العالمي للنساء المسلمات . 2 - الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة . 3 - الاتحاد العالمي للمبدعين في مجال العلوم و التكنولوجيا . 4 - الاتحاد العالمي للاساتذة و الجامعيين . 5 – الاتحاد العالمي للتشكيلات المقاومة . 6 - الاتحاد العالمي لرجال الاعمال و التجار .
و بموازاة مباشرة هذه الاتحادات لانشطتها و فعالياتها ، بادر مجمع التقريب - في اطار تجسيد و ترجمة اهدافه ميدانياً و على المستوى العملي - الى تأسيس و تطوير عمل المؤسسات التي تنشط في مجال التقريب في العديد من البلدان الاسلامية ، و منها : في لبنان " تجمع علماء المسلمين " ، و في باكستان " مجلس التضامن الوطني الاسلامي – جمعية الوحدة الاسلامية " ، و في العراق و سوريا و مصر و اندونيسيا و ماليزيا . و بطبيعة الحال ، و بموازاة ذلك ، كانت ثمة فعاليات و انشطة لمجمع التقريب في العديد من الدول غير الاسلامية نظير ألمانيا و بريطانيا و السويد .
في الحقيقة أن تأسيس و تطوير فعاليات هذه المراكز و المحافل التي تنشط في مجال التقريب ، يعد بمثابة توفير الارضية و الظروف المناسبة لتحقق الاهداف الاستراتيجية لـ " المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية " . و مما يذكر في هذا الصدد أن مجمع التقريب ، و بالتزامن مع توسيع نطاق نشاطاته الى ما هو أبعد من المجالات الاجتماعية ، حرص على تعميم فعاليات التقريب لتتجاوز حدود النخب الفكرية و الثقافية و تنفذ الى اعماق المجتمعات الاسلامية . و في ظل اتساع نطاق و تأثير دعوات التقريب و الوحدة ، تتضح و تتبلور التوجهات الشعبية المطالبة بتكاتف المسلمين و تعاضدهم ، و الحرص على تعزيز التقارب و التواصل بين اتباع المذاهب الاسلامية .
و في ضوء مهام هذه المرحلة ، لم يكتف المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية بالفعاليات و الانشطة آنفة الذكر ، و إنما بادر الى انشطة أخرى تحقيقاً لاستراتيجيته و ترجمة عملية لأهدافه و تطلعاته ، من ذلك اقامة العديد من الاحتفالات و المهرجانات منها : 1 – مهرجان " رسول الرحمة " . 2 - مهرجان " الفاطمية " . 3 - مهرجان " فيلم الوحدة " .
و فضلاً عن ذلك كان لمجمع التقريب العديد من المبادرات القيمة و الملفتة، بما في ذلك تكريم الشخصيات الفنية ، و تأسيس المؤسسات الخيرية امثال " المؤسسة الخيرية الاسلامية (سخاء) . كما عمل مجمع التقريب على تشكيل " لجنة المساعي الحميدة " التي تضمّ في عضويتها أكثر من اربعين شخصية من كبار الشخصيات الاسلامية ، و يهدف عملها الى الوساطة و الحد من الخلافات بين السنة و الشيعة في المناطق المشتركة .
و هكذا و في الوقت الذي يلج المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية عامه السادس و العشرين ، استطاع أن يمضي بخطوات باهرة على طريق ترسيخ التعاون و التضامن بين النخب في العالم الاسلامي ، خاصة علماء الدين و الاكاديميين ، و ترسيم معالم واضحة و محددة لتشكيل " الامة الاسلامية الواحدة " ، و ارساء اسس التقريب و الوحدة و الاقتراب أكثر فأكثر من تحقيق توجهات وتطلعات سماحة الامام الخامنئي التي اشار اليها لدى اختياره لآية الله الاراكي اميناً عاماً لمجمع التقريب .
و حرصاً على تجسيد المزيد من طموحات و تطلعات سماحة القائد المعظم ، و الاسراع في تحقق اهداف هذه المرحلة من نشاطاته ، يتطلع مجمع التقريب الى تشكيل " اتحاد الدول الاسلامية " . و في السياق نفسه يبذل مجمع التقريب كل ما في وسعه لتوجهات سماحة القائد في تعميم " دبلوماسية العامة " ، و توسيع نشاط جامعة المذاهب الاسلامية ، و الاستعانة بنشاط المؤسسات الاعلامية في هذا المجال . كذلك ثمة مساعي تبذل في هذه المرحلة لتفعيل مؤتمرات الوحدة الاسلامية بما يصب نشاطها في الميادين العملية ، و تعميم توجهاتها بما يتناسب و متطلبات المرحلة .
و في هذا الصدد يقول آية الله الشيخ محسن الاراكي في حوار مع مجلة " الامة الواحدة " : لقد دخلنا اليوم مرحلة جديدة من فعاليات مجمع التقريب ، حيث تشمل فعاليات التقريب مختلف فئات المجتمع ، و أن ثقافة التقريب بصدد التوسع و الانتشار في اوساط شرائح المجتمع . و أن البرامج و المشاريع التي نعمل على اعدادها تستهدف مختلف فئات المجتمع و بما يتناسب مع توجهاتها و اهتماماتها . و اذا كانت جهود التقريب في السابق تقتصر على علماء الدين فانها اليوم باتت موضع اهتمام كافة فئات المجتمع ، حيث يشارك الجميع كل حسب طاقاته و امكاناته في جهاد التقريب و ترسيخ مفاهيمه و ثقافته .
