وجملة ( لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) حال من المستضعفين موضحة للاستضعاف ليظهر أنه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم ( كنا مستضعفين في الأرض ) أي لا يستطيعون حيلة في الخروج إما لمنع أهل مكة إياهم أو لفقرهم ؛ ( ولا يهتدون سبيلا ) أي معرفة للطريق كالأعمى .
وجملة ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) الفاء فيها للفصيحة والإتيان بالإشارة للتنبيه على أنهم جديرون بالحكم المذكور من المغفرة .
وفعل ( عسى ) في قوله ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) يقتضي أن الله يرجو أن يعفو عنهم وإذ كان الله هو فاعل العفو وهو عالم بأنه يعفو عنهم أو عن بعضهم بالتعيين تعين أن يكون معنى الرجاء المستفاد من ( عسى ) هنا معنى مجازيا بأن عفوه عن ذنبهم عفو عزيز المنال فمثل حال العفو عنهم بحال من لا يقطع بحصول العفو عنه ولا مقصود من ذلك تضييق تحقق عذرهم لئلا يتساهلوا في شروطه اعتمادا على عفو الله فإن عذر الله لهم باستضعافهم رخصة وتوسعة من الله تعالى لأن البقاء على إظهار الشرك أمر عظيم وكان الواجب العزيمة أن يكلفوا بإعلان الإيمان بين ظهراني المشركين ولو جلب لهم التعذيب والهلاك كما فعلت سمية أم عمار بن ياسر .
وهذا الاستعمال هو محمل موارد ( عسى ) و ( لعل ) إذا أسندا إلى اسم الله تعالى كما تقدم عند قوله تعالى ( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ) في سورة البقرة وهو معنى قول أبي عبيدة : " عسى من الله إيجاب " وقول كثير من العلماء : أن عسى ولعل في القرآن لليقين ومرادهم إذا أسند إلى الله تعالى بخلاف نحو قوله ( وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا ) .
ومثل هذا ما قالوه في وقوع حرف ( إن ) الشرطية في كلام الله تعالى مع أن أصلها أن تكون للشرط المشكوك في حصوله .
وقد اتفق العلماء على أن حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأن الهجرة كانت واجبة لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين وللتمكن من عبادة الله دون حائل يحول عن ذلك فلما صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها ويؤيده حديث " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلا المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة . وفي الحديث " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم " قاله بعد أن فتحت مكة . غير أن القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظرا في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه وهذه أحكام يجمعها ستة أحوال .
الحالة الأولى : أن يكون المؤمن ببلد يفتن فيه في إيمانه فيرغم على الكفر وهو يستطيع الخروج فهذا حكمه حكم الذين نزلت فيهم الآية وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصر فخرجوا على وجوههم في كل واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانهم وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016 .
الحالة الثانية : أن يكون ببلد الكفر غير مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال فهذا قد عرض نفسه للضر وهو حرام بلا نزاع وهذا مسمى الإقامة ببلد الحرب المفسرة بأرض العدو