وضمير ( له ) عائد إلى ( من تصدق ) . والمراد من التصدق العفو لأن العفو لما كان عن حق ثابت بيد مستحق الأخذ بالقصاص جعل إسقاطه كالعطية ليشير إلى فرط ثوابه وبذلك يتبين أن معنى ( كفارة له ) أنه يكفر عنه ذنوبا عظيمة لأجل ما في هذا العفو من جلب القلوب وإزالة الإحن واستبقاء نفوس وأعضاء الأمة .
وعاد فحذر من مخالفة حكم الله فقال ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) لينبه على أن الترغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم وإبطال العمل به لأن حكم القصاص شرع لحكم عظيمة : منها الزجر ومنها جبر خاطر المعتدى عليه ومنها التفادي من ترصد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم . فإبطال الحكم بالقصاص يعطل هذه المصالح وهو ظلم لأنه غمص لحق المعتدى عليه أو وليه . وأما العفو عن الجاني فيحقق جميع المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنه عن طيب نفس وقد تغشى غباوة حكام بني إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو فهذا وجه إعادة التحذير عقب استحباب العفو . ولم ينبه عليه المفسرون . وبه يتعين رجوع هذا التحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه .
وقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) القول فيه كالقول في نظيره المتقدم . والمراد بالظالمين الكافرون لأن الظلم يطلق على الكفر فيكون هذا مؤكدا للذي في الآية السابقة . ويحتمل أن المراد به الجور فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنهم كافرون ظالمون .
( وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين [ 46 ] وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون [ 47 ] ) عطف على جملة ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) انتقالا إلى أحوال النصارى لقوله ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) ولبيان نوع آخر من أنواع إعراض اليهود عن الأحكام التي كتبها الله عليهم فبعد أن ذكر نوعين راجعين إلى تحريفهم أحكام التوراة : أحدهما ما حرفوه وترددوا فيه بعد أن حرفوه فشكوا في آخر الأمر والتجأوا إلى تحكيم الرسول ؛ وثانيهما ما حرفوه وأعرضوا عن حكمه ولم يتحرجوا منه وهو إبطال أحكام القصاص .
وهذا نوع ثالث وهو إعراضهم عن حكم الله بالكلية وذلك بتكذيبهم لما جاء به عيسى عليه السلام .
والتقفية مصدر قفاه إذا جعله يقفوه أي يأتي بعده . وفعله المجرد قفا بتخفيف الفاء ومعنى قفاه سار نحو قفاه والقفا الظهر أي سار وراءه . فالتقفية الإتباع مشتقة من القفا ونظيره : توجه مشتقا من الوجه وتعقب من العقب .
وفعل قفي المشدد مضاعف قفا المخفف والأصل في التضعيف أن يفيد تعدية الفعل إلى مفعول لم يكن متعديا إليه فإذا جعل تضعيف ( قفينا ) هنا معديا للفعل اقتضى مفعولين : أولهما الذي كان مفعولا قبل التضعيف وثانيهما الذي عدي إليه الفعل وذلك على طريقة باب كسا ؛ فيكون حق التركيب : وقفيناهم عيسى بن مريم . ويكون إدخال الباء في ( بعيسى ) للتأكيد مثل ( وامسحوا برءوسكم ) وإذا جعل التضعيف لغير التعدية بل لمجرد تكرير وقوع الفعل مثل جولت وطوفت كان حق التركيب : وقفيناهم بعيسى بن مريم . وعلى الوجه الثاني جرى كلام الكشاف فجعل باء ( بعيسى ) للتعدية . وعلى كلا الوجهين يكون مفعول ( قفينا ) محذوفا يدل عليه قوله ( على آثارهم ) لأن فيه ضمير المفعول المحذوف هذا تحقيق كلامه وسلمه أصحاب حواشيه .
وقوله ( على آثارهم ) تأكيد لمدلول فعل ( قفينا ) وإفادة سرعة التقفية .
وضمير ( آثارهم ) للنبيين والربانيين والأحبار . وقد أرسل عيسى على عقب زكريا كافل أمه مريم ووالد يحيى . ويجوز أن يكون معنى ( على آثارهم ) على طريقتهم وهديهم . والمصدق : المخبر بتصديق مخبر وأريد به هنا المؤيد المقرر للتوراة .
A E