وجعلها ( بين يديه ) لأنها تقدمته والمتقدم يقال : هو بين يدي من تقدم . و ( من التوراة ) بيان ( لما ) . وتقدم الكلام على معنى التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران .
وجملة ( فيه هدى ونور ) حال . وتقدم معنى الهدى والنور .
( ومصدقا ) حال أيضا من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله ( بعيسى ابن مريم مصدقا ) لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التصديق ؛ فتصديق عيسى التوراة أمره بإحياء أحكامها وهو تصديق حقيقي ؛ وتصديق الإنجيل التوراة اشتماله على ما وافق أحكامها فهو تصديق مجازي . وهذا التصديق لا ينافي أنه نسخ بعض أحكام التوراة كما حكى الله عنه ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) لأن الفعل المثبت لا عموم له .
والموعظة : الكلام الذي يلين القلب ويزجر عن فعل المنهيات .
وجملة ( وليحكم ) معطوفة على ( آتيناه ) . وقرأ الجمهور ( وليحكم ) بسكون اللام وبجزم الفعل على أن اللام لام الأمر . ولا شك أن هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام فهو مما أمر الله به الذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنصارى فعلم أن في الجملة قولا مقدرا هو المعطوف على جملة ( وآتيناه الإنجيل ) أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصفات العظيمة وقلنا : ليحكم أهل الإنجيل فيتم التمهيد لقوله بعده ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) فقرائن تقدير القول متظافرة من أمور عدة .
وقرأ حمزة بكسر لام ( ليحكم ) ونصب الميم على أن اللام لام كي للتعليل فجملة ( ليحكم ) على هذه القراءة معطوفة على قوله ( فيه هدى ) الخ الذي هو حال عطفت العلة على الحال عطفا ذكريا لا يشرك في الحكم لأن التصريح بلام التعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى . وصاحب الكشاف قدر في هذه القراءة فعلا محذوفا بعد الواو أي وآتيناه الإنجيل دل عليه قوله قبله ( وآتيناه الإنجيل ) وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام .
والمراد بالفاسقين الكافرون إذ الفسق يطلق على الكفر فتكون على نحو ما في الآية الأولى . ويحتمل أن المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنهم يخالفونه فيكون ذما للنصارى في التهاون بأحكام كتابهم أضعف من ذم اليهود .
( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون [ 48 ] ) جالت الآيات المتقدمة جولة في ذكر إنزال التوراة والإنجيل وآبت منها إلى المقصود وهو إنزال القرآن ؛ فكان كرد العجز على الصدر لقوله ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) ليبين أن القرآن جاء ناسخا لما قبله وأن مؤاخذة اليهود على ترك العمل بالتوراة والإنجيل مؤاخذة لهم بعملهم قبل مجيء الإسلام وليعلمهم أنهم لا يطمعون من محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بغير ما شرعه الله في الإسلام فوقع قوله ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ) لترتيب نزول الكتب السماوية وتمهيدا لقوله ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) . ووقع قوله ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) موقع التخلص المقصود فجاءت الآيات كلها منتظمة متناسقة على أبدع وجه .
والكتاب الأول القرآن فتعريفه للعهد . والكتاب الثاني جنس يشمل الكتب المتقدمة فتعريفه للجنس . والمصدق تقدم بيانه .
والمهيمن الأظهر أن هاءه أصلية وأن فعله بوزن فيعل كسيطر ولكن لم يسمع له فعل مجرد فلم يسمع همن .
قال أهل اللغة لا نظير لهذا الفعل إلا هينم إذا دعا أو قرأ وبيقر إذا خرج من الحجاز إلى الشام وسيطر إذا قهر . وليس له نظير في وزن مفيعل إلا اسم فاعل هذه الأفعال وزادوا مبيطر اسم طبيب الدواب ولم يسمع بيطر ولكن بطر ومجيمر اسم جبل ذكره امرؤ القيس في قوله :