فاعلم أن هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافا بيانيا ناشئا على تقدير سؤال يخطر في نفس السامع لقوله ( قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ) فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام : هل هم على شيء أو ليسوا على شيء وهل نفعهم اتباع دينهم أيامئذ ؛ فوقع قوله ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) الآية جوابا لهذا السؤال المقدر .
والمراد بالذين آمنوا المؤمنون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم أي المسلمون . وإنما المقصود من الإخبار الذين هادوا والصابون والنصارى وأما التعرض لذكر الذين آمنوا فلاهتمام بهم سنبينه قريبا .
ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكدة لجملة ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ) الخ فبعد أن أتبعت تلك الجملة بما أتبعت به من الجمل عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيدا للوعد ووصلا لربط الكلام وليلحق بأهل الكتاب الصابئون وليظهر الاهتمام بذكر حال المسلمين في جنات النعيم .
فالتصدير بذكر الذين آمنوا في طالعة المعدودين إدماج للتنويه بالمسلمين في هذه المناسبة أن المسلمين هم المثال الصالح في كمال الإيمان والتحرز عن الغرور وعن تسرب مسارب الشرك إلى عقائدهم " كما بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع بقوله " إن الشيطان قد يئس أن يعبد من دون الله في أرضكم هذه " . فكان المسلمون لأنهم الأوحدون في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح أولين في هذا الفصل .
وأما معنى الآية فافتتاحها بحرف إن هنا للاهتمام بالخبر لعرو المقام عن إرادة رد إنكار أو تردد في الحكم أو تنزيل غير المتردد منزلة المتردد .
وقد تحير الناظرون في الإخبار عن جميع المذكورين بقوله ( من آمن بالله واليوم الآخر ) إذ من جملة المذكورين المؤمنون وهل الإيمان إلا بالله واليوم الآخر . وذهب الناظرون في تأويله مذاهب : فقيل : أريد بالذين آمنوا من آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم وهم المنافقون وقيل : أريد بمن آمن من دام على إيمانه ولم يرتد . وقيل : غير ذلك .
والوجه عندي أن المراد بالذين آمنوا أصحاب الوصف المعروف بالإيمان واشتهر به المسلمون ولا يكون إلا بالقلب واللسان لأن هذا الكلام وعد بجزاء الله تعالى فهو راجع إلى علم الله والله يعلم المؤمن الحق والمتظاهر بالإيمان نفاقا .
A E فالذي أراه أن يجعل خبر ( إن ) محذوفا . وحذف خبر إن وارد في الكلام الفصيح غير قليل كما ذكر سيبويه في كتابه . وقد دل على الخبر ما ذكر بعده من قوله ( فلهم أجرهم عند ربهم ) إلخ . ويكون قوله ( والذين هادوا ) عطف جملة على جملة فيجعل ( الذين هادوا ) مبتدأ ولذلك حق رفع ما عطف عليه وهو ( والصابون ) . وهذا أولى من جعل ( والصابون ) مبدأ الجملة وتقدير خبر له أي والصابون كذلك كما ذهب إليه الأكثرون لأن ذلك يفضي إلى اختلاف المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصي عن ذلك ويكون قوله ( من آمن بالله ) مبتدأ ثانيا وتكون ( من ) موصولة والرابط للجملة بالتي قبلها محذوفا أي من آمن منهم وجملة ( فلهم أجرهم ) خبرا عن ( من ) الموصولة واقترانها بالفاء لأن الموصول شبيه بالشرط . وذلك كثير في الكلام كقوله تعالى ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ) الآية ووجود الفاء فيه يعين كونه خبرا عن ( من ) الموصولة وليس خبر إن على عكس قول ضابي بن الحارث .
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقبار بها لغريب فإن وجود لام الابتداء في قوله " لغريب " عين أنه خبر " إن " وتقدير خبر عن قبار فلا ينظر به قوله تعالى ( والصابون ) .
ومعنى ( من آمن بالله واليوم الآخر ) من آمن ودام وهم الذين لم يغيروا أديانهم بالإشراك وإنكار البعث ؛ فإن كثيرا من اليهود خلطوا أمور الشرك بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التوراة . ومنهم من جعل عزيرا ابنا لله وإن النصارى ألهوا عيسى وعبدوه والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على دين له كتاب . وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة