ويجوز أن يكون المراد بالبينة القرآن وتكون ( على ) مستعملة في الملازمة مجازا مرسلا لأن الاستعلاء يستلزم الملازمة أي أني لا أخالف ما جاء به القرآن .
و ( من ربي ) صفة ل ( بينة ) يفيد تعظيمها وكمالها . و ( من ) ابتدائية أي بينة جائية الي من ربي وهي الأدلة التي أوحاها الله إليه وجاء بها القرآن وغيره ويجوز أن تكون ( من ) اتصالية أي على يقين متصل بربي أي بمعرفته توحيده أي فلا أتردد في ذلك فلا تطمعوا في صرفي عن ذلك أي أني آمنت بإله واحد دلت على وجوده ووحدانيته دلائل خلقه وقدرته فأنا موقن بما آمنت به لا يتطرقني شك . وهذا حينئذ مسوق مساق التعريض بالمشركين في أنهم على اضطراب من أمر آلهتهم وعلى غير بصيرة .
وجملة ( وكذبتم به ) في موضع الحال من ( بينة ) . وهي تفيد التعجب منهم أن كذبوا بما دلت عليه البينة . ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ( إني على بينة من ربي ) أي أنا على بينة وأنتم كذبتم بما دلت عليه البينات فشتان بيني وبينكم .
والضمير في قوله ( به ) يعود إلى البينة باعتبار تأويلها بالبيان أو باعتبار أن ما صدقها اليقين أو القرآن على وجه جعل ( من ) ابتدائية أي وكذبتم باليقين مكابرة وعنادا ويعود إلى ربي على وجه جعل ( من ) اتصالية أي كنت أنا على يقين في شأن ربي وكذبتم به مع أن دلائل توحيده بينة واضحة . ويعود إلى غير مذكور في الكلام وهو القرآن لشهرة التداول بينهم في شأنه فإذا أطلق ضمير الغائب انصرف إليه بالقرينة .
والباء التي عدي بها فعل ( كذبتم ) هي لتأكيد لصوق معنى الفعل بمفعوله كما في قوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) . فلذلك يدل فعل التكذيب إذا عدي بالباء على معنى الإنكار أي التكذيب القوي . ولعل الاستعمال أنهم لا يعدون فعل التكذيب بالباء إلا إذا أريد تكذيب حجة أو برهان مما يحسب سبب تصديق فلا يقال : كذبت بفلان بل يقال : كذبت فلانا قال تعالى ( لما كذبوا الرسل ) وقال ( كذبت ثمود بالنذر ) .
والمعنى التعريضي بهم في شأن اعتقادهم في آلهتهم باق على ما بيناه .
A E وقوله ( ما عندي ما تستعجلون به ) استئناف بياني لأن حالهم في الإصرار على التكذيب مما يزيدهم عنادا عند سماع تسفيه أحلامهم وتنقص عقائدهم فكانوا يقولون : لو كان قولك حقا فأين الوعيد الذي توعدتنا . فإنهم قالوا ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) وقالوا ( أو تسقط السماء علينا كما زعمت كسفا ) فأمر بأن يجيب أن يقول ( ما عندي ما تستعجلون به ) .
والاستعجال طلب التعجيل بشيء فهو يتعدى إلى مفعول واحد وهو المطلوب منه تعجيل شيء . فإذا أريد ذكر الأمر المعجل عدي إليه بالباء . والباء فيه للتعدية . والمفعول هنا محذوف دل عليه قوله ( ما عندي ) . والتقدير : تستعجلونني به . وأما قوله تعالى ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) فالأظهر أن ضمير الغائب عائد لاسم الجلالة وسيأتي في أول سورة النحل .
ومعنى ( ما عندي ) أنه ليس في مقدرتي كما يقال : ما بيدي كذا . فالعندية مجاز عن التصرف بالعلم والمقدرة . والمعنى : أني لست العليم القدير أي لست إلها ولكنني عبد مرسل أقف عند ما أرسلت به