وذلك القضاء يحتمل أمورا : منها أن يأتيهم بالآية المقترحة فيؤمنوا أو أن يغضب فيهلكهم أو أن يصرف قلوبهم عن طلب ما لا يجيبهم إليه فيتوبوا ويرجعوا .
وجملة ( والله أعلم بالظالمين ) تذييل أي الله أعلم مني ومن كل أحد بحكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله لأنه العليم الخبير الذي عنده ما تستعجلون به . والتعبير ( بالظالمين ) إظهار في مقام ضمير الخطاب لإشعارهم بأنهم ظالمون في شركهم إذ اعتدوا على حق الله وظالمون في تكذيبهم إذ اعتدوا على حق الله ورسوله وظالمون في معاملتهم الرسول A .
( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [ 59 ] ) عطف على جملة ( والله أعلم بالظالمين ) على طريقة التخلص . والمناسبة في هذا التخلص هي الإخبار بأن الله أعلم بحالة الظالمين فإنها غائبة عن عيان الناس فالله أعلم بما يناسب حالهم من تعجيل الوعيد أو تأخيره وهذا انتقال لبيان اختصاصه تعالى بعلم الغيب وسعة علمه ثم سعة قدرته وأن الخلق في قبضة قدرته .
وتقديم الظرف لإفادة الاختصاص أي عنده لا عند غيره . والعندية عندية علم واستئثار وليست عندية مكان .
والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو الآلة التي يفتح بها المغلق وتسمى المفتاح . وقد قيل : إن مفتح أفصح من مفتاح قال تعالى ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) .
والغيب ما غاب على علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى علمه وذلك يشمل الأعيان لمغيبة كالملائكة والجن والأعراض الخفية ومواقيت الأشياء .
و ( مفاتح الغيب ) هنا استعارة تخييلية تنبني على مكنية بأن شبهت الأمور المغيبة عن الناس بالمتاع النفيس الذي يدخر بالمخازن والخزائن المستوثق عليها بأقفال بحيث لا يعلم ما فيها إلا الذي بيده مفاتحها . وأثبتت لها المفاتح على سبيل التخييلية . والقرينة هي إضافة المفاتح إلى الغيب فقوله ( وعنده مفاتح الغيب ) بمنزلة أن يقول : عنده علم ا لغيب الذي لا يعلمه غيره .
ومفاتح الغيب جمع مضاف يعم كل المغيبات لأن علمها كلها خاص به تعالى وأما الأمور التي لها أمارات مثل أمارات الأنواء وعلامات الأمراض عند الطبيب فتلك ليست من الغيب بل من أمور الشهادة الغامضة . وغموضها متفاوت والناس في التوصل إليها متفاوتون ومعرفتهم بها من قبيل الظن لا من قبيل اليقين فلا تسمى علما وقيل : المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو البيت أو المخزن الذي من شأنه أن يغلق على ما فيه ثم يفتح عند الحاجة إلى ما فيه ونقل هذا عن السدي فيكون استعارة مصرحة والمشبه هو العلم بالغيب شبه في إحاطته وحجبه المغيبات ببيت الخزن تشبيه معقول بمحسوس .
A E وجملة ( لا يعلمها إلا هو ) مبينة لمعنى ( عنده ) فهي بيان للجملة التي قبلها ومفيدة تأكيدا للجملة الأولى أيضا لرفع احتمال أن يكون تقديم الظرف لمجرد الاهتمام فأعيد ما فيه طريق متعين كونه للقصر .
وضمير ( يعلمها ) عائد إلى ( مفاتح الغيب ) على حذف مضاف من دلالة الاقتضاء . تقديره : لا يعلم مكانها إلا هو لأن العلم لا يتعلق بذوات المفاتح وهو ترشيح لاستعارة مفاتح الغيب للعلم بالمغيبات ونفي علم غيره لها كناية عن نفي العلم بما تغلق عليه المفاتح من علم المغيبات .
ومعنى ( لا يعلمها إلا هو ) أي علما مستقلا به فأما ما أطلع عليه بعض أصفيائه كما قال تعالى ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) فلذلك علم يحصل لمن أطلعه بإخبار منه فكان راجعا إلى علمه هو . والعلم معرفة الأشياء بكيفية اليقين .
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر أن رسول الله A قال " مفاتح الغيب خمس ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) "