وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكليات والجزئيات . وهذا متفق عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السابقة وما أعلنه إلا القرآن في نحو قوله ( وهو بكل شيء عليم ) . وفيه إبطال لقول جمهور الفلاسفة أن الله يعلم الكليات خاصة ولا يعلم الجزئيات زعما منهم بأنهم ينزهون العلم الأعلى عن التجزي ؛ فهم أثبتوا صفة العلم لله تعالى وأنكروا تعلق علمه بجزئيات الموجودات . وهذا هو المأثور عنهم عند العلماء . وقد تأوله عنهم ابن رشد الحفيد ونصير الدين الطوسي . وقال الإمام الرازي في المباحث المشرقية : ولا بد من تفصيل مذهب الفلاسفة فإن اللائق بأصولهم أن يقال : الأمور أربعة أقسام ؛ فإنها إما أن لا تكون متشكلة ولا متغيرة وإما أن تكون متشكلة غير متغيرة وإما أن تكون متغيرة غير متشكلة ؛ وإما أن تكون متشكلة ومتغيرة معا . فأما ما لاتكون متشكلة ولا متغيرة فإنه تعالى عالم به سواء كان كليا أو جزئيا . وكيف يمكن القول بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات منها مع اتفاق الأكثر منهم على علمه تعالى بذاته المخصوصة وبالعقول .
وأما المتشكلة غير المتغيرة وهي الأجرام العلوية فهي غير معلومة له تعالى بأشخاصها عندهم لأن إدراك الجسمانيات لا يكون إلا بالآت جسمانية .
وأما المتغيرة غير المتشكلة فذلك مثل الصور والأعراض الحادثة والنفوس الناطقة فإنها غير معلومة له لأن تعلقها يحوج إلى آلة جسمانية بل لأنها لما كانت متغيرة يلزم من تغيرها العلم .
وأما ما يكون متشكلا ومتغيرا فهو الأجسام الكائنة الفاسدة . وهي يمتنع أن تكون مدركة له تعالى للوجهين " أي المذكورين في القسمين الثاني والثالث " اه .
وقد عد إنكار الفلاسفة أن الله يعلم الجزئيات من أصول ثلاثة لهم خالفت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام . وهي : إنكار علم الله بالجزئيات ؛ وإنكار حشر الأجساد والقول بقدم العالم . ذكر ذلك الغزالي في تهافت الفلاسفة فمن يوافقهم في ذلك من ا لمسلمين يعتبر قوله كفرا لكنه من قبيل الكفر باللازم فلا يعتبر قائله مرتدا إلا بعد أن يوقف على ما يفضي إليه قوله ويأبى أن يرجع عنه فحينئذ يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا حكم بردته .
( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون [ 60 ] ) عطف جملة ( وهو الذي يتوفاكم ) على جملة ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) انتقالا من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأن ذلك كله من دلائل الإلهية تعليما لأوليائه ونعيا على المشركين أعدائه . وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته . وفي هذا تقريب للبعث بعد الموت .
فقوله ( وهو الذي يتوفاكم ) صيغة قصر لتعريف جزأي الجملة أي هو الذي يتوفى الأنفس دون الأصنام فإنها لا تملك موتا ولا حياة .
والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قولة ( لقضي الأمر بيني وبينكم ) واللاحق من قوله ( ثم أنتم تشركون ) ويقتضيه طريق القصر . ولما كان هذا الحال غير خاص بالمشركين علم منه أن الناس فيه سواء .
A E والتوفي حقيقته الإماتة لأنه حقيقة في قبض الشيء مستوفى . وإطلاقه على النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقطاع الإدراك والعمل . إلا ترى قوله تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) . وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) في سورة آل عمران .
والمراد بقوله ( يتوفاكم ) ينيمكم بقرينة قوله ( ثم يبعثكم فيه ) أي في النهار فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه . وفائدته أنه تقريب لكيفية البعث يوم القيامة ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتم التقريب في قوله ( ثم يبعثكم فيه )