عطف على الجمل السابقة التي أولاها ( وكذب به قومك وهو الحق ) المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك فعقبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلن التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجة الدامغة والمناظرة الساطعة ولأنها أعدل حجة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه وكانت أكبر حجة على المشركين من العرب بأن أباهم لم يكن مشركا ولا مقرا للشرك في قومه وأعظم حجة للرسول صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك .
والكلام في افتتاح القصة ب ( إذ ) بتقدير اذكر تقدم عند قوله تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) في سورة البقرة .
A E و ( آزر ) ظاهر الآية أنه أبو إبراهيم . ولا شك أنه عرف عند العرب أن أبا إبراهيم اسمه آزر فإن العرب كانوا معتنين بذكر إبراهيم عليه السلام ونسبه وأبنائه . وليس من عادة القرآن التعرض لذكر أسماء غير الأنبياء فما ذكر اسمه في هذه الآية إلا لقصد سنذكره . ولم يذكر هذا الاسم في غير هذه الآية . والذي في كتب الإسرائيليين أن اسم أبي إبراهيم " تارح " بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين في أن اسم أبي إبراهيم تارح . وتبعه محمد ابن الحسن الجويني الشافعي في تفسير النكت . وفي كلامهما نظر لأن الاختلاف المنفي إنما هو في أن آزر اسم لأبي إبراهيم ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغة أخرى غير لغة قومه . ومثل ذلك كثير . وقد قيل : إن ( آزر ) وصف .
قال الفخر : قيل معناه الهرم بلغة خوازرم وهي الفارسية الأصلية . وقال ابن عطية عن الضحاك : ( آزر ) الشيخ . وعن الضحاك : أن اسم أبي إبراهيم بلغة الفرس " آزر " . وقال ابن إسحاق ومقاتل والكلبي والضحاك : اسم أبي إبراهيم تارح وآزر لقب له مثل يعقوب الملقب إسرائيل وقال مجاهد : " آزر " اسم الصنم الذي كان يعبده أبو إبراهيم فلقب به . وأظهر منه أن يقال : أنه الصنم الذي كان أبو إبراهيم سادن بيته .
وعن سليمان التيمي والفراءك " آزر " كلمة سب في لغتهم بمعنى المعوج أي عن طريق الخير . وهذا وهم لأنه يقتضي وقوع لفظ غير عربي ليس بعلم ولا بمعرب في القرآن . فإن المعرب شرطه أن يكون لفظا غير علم نقله العرب إلى لغتهم . وفي تفسير الفخر : أن من الوجوه أن يكون " آزر " عم إبراهيم وأطلق عليه اسم الأب لأن العم قد يقال له : أب . ونسب هذا إلى محمد بن كعب القرظي . وهذا بعيد لا ينبغي المصير إليه فقد تكرر في القرآن ذكر هذه المجادلة مع أبيه فيبعد أن يكون المراد أنه عمه في تلك الآيات كلها .
قال الفخر : وقالت الشيعة : لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجداده كافرا . وأنكروا أن " آزر " أب لإبراهيم وإنما كان عمه . وأما أصحابنا فلم يلتزموا ذلك . قلت : هو كما قال الفخر من عدم التزام هذا وقد بينت في رسالة لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكفر لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصا جبليا لأن الخلوص المبحوث عنه هو الخلوص مما يتعير به في العادة . والذي يظهر لي أنه : أن " تارح " لقب في بلد غربة بلقب " آزر " باسم البلد الذي جاء منه ففي معجم ياقوت آزر بفتح الزاي وبالراء ناحية بين سوق الأهواز ورامهرمز . وفي الفصل الحادي عشر من سفر التكوين من التوراة أن بلد تارح أبي إبراهيم هو " أور الكلدانيين " . وفي معجم ياقوت " أور " بضم الهمزة وسكون الواو من أصقاع رامهرمز من خورستان " . ولعله هو أور الكلدانيين أو جزء منه أضيف إلى سكانه . وفي سفر التكوين أن " تارح " خرج هو وابته إبراهيم من بلده أور الكلدانيين قاصدين أرض كنعان وأنهما مرا في طريقهما ببلد " حاران " وأقاما هناك ومات تارح في حاران . فلعل أهل حاران دعوه آزر لأنه جاء من صقع آزر . وفي الفصل الثاني عشر من سفر التكوين ما يدل على أن إبراهيم عليه السلام نبئ في حاران في حياة أبيه .
ولم يرد في التوراة ذكر للمحاورة بين إبراهيم وأبيه ولا بينه وبين قومه