وإضافة ملكوت السماوات والأرض على معنى ( في ) . والمعنى ما يشمله الملك أو الملك والمراد ملك الله . والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو عظمة سلطاننا كشفا يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرف فيما كشفنا له سوانا .
وعطف قوله ( وليكون من الموقنين ) على قوله ( وكذلك ) لأن ( وكذلك ) أفاد كون المشبه به تعليما فائقا . ففهم منه أن المشبه به علة لأمر مهم هو من جنس المشبه به . فالتقدير : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراء تبصير وفهم ليعلم علما وفق لذلك التفهيم وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين . وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله تعالى ( وكذلك نصرف الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) في هذه السورة .
والموقن هو العالم علما لا يقبل الشك وهو الإيقان . والمراد الإيقان في معرفة الله تعالى وصفاته . وقوله ( وليكون من الموقنين ) أبلغ من أن يقال : وليكون موقنا كما تقدم عند قوله تعالى ( قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ) في هذه السورة .
A E ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين [ 76 ] فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين [ 77 ] فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون [ 78 ] إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين [ 78 ] ) ( فلما جن ) تفريع على قوله ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) بقرينة قوله ( رأى كوكبا ) فإن الكوكب من ملكوت السماوات وقوله في المعطوف عليه ( نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) . فهذه الرؤية الخاصة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب في إبكات لقومه ملجئ إياهم للاعتراف بفساد معتقدهم هي فرع من تلك الإراءة التي عمت ملكوت السماوات والأرض لأن العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبب ولذلك نعد جعل الزمخشري ( فلما جن ) عطفا على قال ( إبراهيم لأبيه ) وجعله ما بينهما اعتراضا غير رشيق .
وقوله ( جن عليه الليل ) أي أظلم الليل إظلاما على إبراهيم أي كان إبراهيم محوطا بظلمة الليل وهو يقتضي أنه كان تحت السماء ولم يكن في بيت .
ويؤخذ من قوله بعده ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) أنه كان سائرا مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصورون لها أصناما . وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم .
يقال : جنه الليل أي أخفاه وجنان الليل بفتح الجيم وجنه : ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد . يقال : جنه الليل وهو الأصل . ويقال : جن عليه الليل وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتى صارت كأنها غطاء ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جن الليل قاصرا بمعنى أظلم .
وظاهر قوله ( رأى كوكبا ) أنه حصلت له رؤية الكواكب عرضا من غير قصد للتأمل وإلا فإن الأفق في الليل مملوء كواكب وأن الكواكب كان حين رآه واضحا في السماء مشرقا بنوره وذلك أنور ما يكون في وسط السماء . فالظاهر أنه رأى كوكبا من بينها شديد الضوء . فعن زيد بن علي أن الكوكب هو الزهرة . وعن السدي أنه المشتري . ويجوز أن يكون نظر الكواكب فرأى كوكبا فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل ( أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) أي فضرب فانفلق . وجملة ( رأى كوكبا ) جواب ( لما ) . والكوكب : النجم .
وجملة ( قال هذا ربي ) مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن مضمون جملة ( رأى كوكبا ) وهو أن يسأل سائل : فماذا كان عندما رآه فيكون قوله ( قال هذا ربي ) جوابا لذلك