وقوله ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) إقناع لهم بأن لا يحاولوا موافقته إياهم على ضلالهم لأنه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عما دونها بالأحرى .
والبريء فعيل بمعنى فاعل من برىء بكسر الراء لا غير يبرأ بفتح الراء لا غير بمعنى تفصى وتنزه ونفى المخالطة بينه وبين المجرور ب ( من ) . ومنه ( أن الله بريء من المشركين فبرأه الله مما قالوا ( وما أبرئ نفسي ) . فمعنى قوله ( بريء ) هنا أنه لا صلة بينه وبين ما يشركون . والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مرادا به الأصنام أو هي التلبس والاتباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك .
والأظهر أن ( ما ) في قوله ( ما تشركون ) موصولة وأن العائد محذوف لأجل الفاصلة أي ما تشركون به كما سيأتي في قوله ( ولا أخاف ما تشركون به ) لأن الغالب في فعل البراءة أن يتعلق بالذوات ولئلا يتكرر مع قوله بعده ( وما أنا من المشركين ) . ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية أي من إشراككم أي لا أتقلده .
وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكا لأن قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر آي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه ولقوله الآتي ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) .
A E وجملة ( إني وجهت وجهي ) بمنزلة بدل الاشتمال من جملة ( إني بريء مما تشركون ) لأن البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله وهو إفراده بالعبادة . والوجه في قوله ( وجهي ) حقيقة . و ( وجهت ) مشتق من الجهة والوجهة أي صرفته إلى جهة أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجهه فتوجه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو وكأنهم صاغوه على زنة الهيئة من الوجه لأن القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأن قاصد المكان بوجهه تحصل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديق النظر . فمعنى ( وجهت وجهي ) صرفته وأدرته . وهذا تمثيل : شبهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقيل بوجهه شيئا وقصده وانصرف عن غيره .
وأتي بالموصول في قوله ( للذي فطر السماوات والأرض ) ليومىء إلى علة توجهه إلى عبادته لأن الكواكب من موجودات السماء والأصنام من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى .
وفعل ( وجه ) يتعدى إلى المكان المقصود بإلى وقد يتعدى باللام إذا أريد أنه انصرف لأجل ذلك الشيء فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول : توجهت للحبيب ولذلك اختير تعدية هنا باللام لأن في هذا التوجه إرضاء وطاعة .
وفطر : خلق وأصل الفطر الشق . يقال فطر فطورا إذا شق قال تعالى ( فارجع البصر هل ترى من فطور ) أي اختلال شبه الخلق بصناعة الجلد ونحوه فإن الصانع يشق الشيء قبل أن يصنعه وهذا كما يقال : الفتق والفلق فأطلق الفطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهل للفعل .
و ( حنيفا ) حال من ضمير المتكلم في ( وجهت ) . وتقدم بيان ذلك عند قوله تعالى ( قل بل ملة إبراهيم حنيفا ) في سورة البقرة .
وجملة ( وما أنا من المشركين ) عطف على الحال نفى عن نفسه أن يكون متصلا بالمشركين وفي عدادهم .
فلما تبرأ من أصنامهم تبرأ من القوم وقد جمعهما أيضا في سورة الممتحنة إذ قال ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ) .
وأفادت جملة ( وما أنا من المشركين ) تأكيدا لجملة ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ) وإنما عطفت لأنها قصد منها التبرىء من أن يكون من المشركين