وهذا قد جرينا فيه على أن قول إبراهيم لما رأى النيرات ( هذا ربي ) هو مناظرة لقومه واستدراج لهم وأنه كان موقنا بنفي إلهيتها وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحي إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتج بها على قومه . ومن المفسرين من قال : إن كلامه ذلك كان نظرا واستدلالا في نفسه لقوله ( لئن لم يهدني ربي ) فإنه يشعر بأنه في ضلال لأنه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط وليس هذا بمتعين لأنه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أن لهم ربا بيده الهداية كما بيناه في موضعه فيكون كلامه مستعملا في التعريض . على أنه قد يكون أيضا مرادا به الدوام على الهداية والزيادة فيها على أنه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجة حتى لا يتغلب عليه قومه .
فإذا بنينا على أن ذلك كان استدلالا في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإن ذلك كان بإلهام من الله تعالى فيكون قوله ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نوحي إليه ويكون قوله ( رأى كوكبا ) بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل ويكون قوله ( قال هذا ربي ) قولا في نفسه على نحو ما يتحدث به المفكر في نفسه وهو حديث النفس كقول النابغة في كلب صيد : .
قالت له النفس إني لا أرى طمعا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد وقول العجاج في ثور وحشي : .
ثم انثنى وقال في التفكير ... إن الحياة اليوم في الكرور وقوله ( هذا ربي وقوله لا أحب الآفلين وقوله لئن لم يهدني ربي ) كل ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي . وقوله ( قال يا قوم ) هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحق له فأعلن بمخالفته قومه حينئذ .
( وحاجه قومه وقال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون [ 80 ] ) A E لما أعلن إبراهيم عليه السلام معتقده لقومه أخذوا في محاجته فجملة ( وحاجه ) عطف على جملة ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) .
وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلة بالإخبار بمضمونها مع أن تفرع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام .
والمحاجة مفاعلة متصرفة من الحجة وهي الدليل المؤيد للدعوى . ولا يعرف لهذه المفاعلة فعل مجرد بمعنى استدل بحجة وإنما المعروف فعل حج إذا غلب في الحجة فإن كانت احتجاجا من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل وإن كانت من جانب واحد باعتبار أن محاول الغلب في الحجة لا بد أن يتلقى من خصمه ما يرد احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين فبذلك الاعتبار أطلق على الاحتجاج محاجة أو المفاعلة فيه للمبالغة . والأولى حملها هنا على الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجة بينهم وبين إبراهيم .
وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره : أن صيغة المفاعلة تقتضي أن المجعول فيها فاعلا هو البادىء بالمحاجة وأن بعض العلماء استشكل قوله تعالى في سورة البقرة ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) حيث قال ( إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ) . فبدأ بكلام إبراهيم وهو مفعول الفعل وأجاب بأن إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجة . ولم يذكر أئمة اللغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة . ويجوز أن يكون المراد هنا أنهم سلكوا معه طريق الحجة على صحة دينهم أو على إبطال معتقده وهو يسمع فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجة . وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلق به غرض لأن الغرض هو الاعتبار بثبات إبراهيم على الحق . وحذف متعلق ( حاجه ) لدلالة المقام ودلالة ما بعده عليه من قوله ( أتحاجوني في الله ) الآيات