وقد ذكرت حججهم في مواضع من القرآن منها قوله في سورة الأنبياء ( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله وأنا على ذلكم من الشاهدين ) وقوله في سورة الشعراء ( قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ) الآيات وفي سورة الصافات ( إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون إلى قوله فجعلناهم الأسفلين ) وكلها محاجة حقيقية ويدخل في المحاجة ما ليس بحجة ولكنه مما يرونه حججا بأن خوفوه غضب آلهتهم كما يدل عليه قوله ( ولا أخاف ما تشركون به ) الآية . والتقدير : وحاجه قومه فقالوا : كيت وكيت .
وجملة ( قال أتحاجوني في الله ) جواب محاجتهم ولذلك فصلت على طريقة المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) في سورة البقرة فإن كانت المحاجة على حقيقة المفاعلة فقوله ( أتحاجوني ) غلق لباب المجادلة وختم لها وإن كانت المحاجة مستعملة في الاحتجاج فقوله ( أتحاجوني ) جواب لمحاجتهم فيكون كقوله تعالى ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ) .
والاستفهام إنكار عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم .
و ( في ) لظرفية المجازية متعلقة ب ( تحاجوني ) ودخولها على اسم الجلالة على تقدير مضاف لأن المحاجة لا تكون في الذوات فتعين تقدير ما يصلح له المقام وهو صفات الله الدالة على أنه واحد أي في توحيد الله وهذا كقوله تعالى ( يجادلنا في قوم لوط ) أي في استئصالهم .
وجملة ( وقد هدان ) حال مؤكدة للإنكار أي لا جدوى لمحاجتكم إياي بعد أن هداني الله إلى الحق وشأن الحال المؤكدة للإنكار أن يكون اتصاف صاحبها بها معروفا عند المخاطب . فالظاهر أن إبراهيم نزلهم في خطابه منزلة من يعلم أن الله هداه كناية على ظهور دلائل الهداية .
A E وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( أتحاجوني ) بنون واحدة خفيفة وأصله أتحاجونني بنونين فحذفت إحداهما للتخفيف والمحذوفة هي الثانية التي هي نون الوقاية على مختار أبي علي الفارسي . قال : لأن الأولى نون الإعراب وأما الثانية فهي موطئة لياء المتكلم فيجوز حذفها تخفيفا كما قالوا ليتني في ليتني . وذهب سيبوية أن المحذوفة هي الأولى لأن الثانية جلبت لتحمل الكسرة المناسبة للياء ونون الرفع لا تكون مكسورة وأياما كان فهذا الحذف مستعمل لقصد التخفيف . وعن أبي عمرو بن العلاء : أن هذه القراءة لحن فإن صح ذلك عنه فهو مخطئ في زعمه أو أخطأ من عزاه إليه . وقرأه البقية بتشديد النون لإدغام نون الرفع في نون الوقاية لقصد التخفيف أيضا ولذلك تمد الواو لتكون المدة فاصلة بين التقاء الساكنين لأن المدة خفة وهذا الالتقاء هو الذي يدعونه التقاء الساكنين على حدة .
وحذفت ياء المتكلم في قوله ( وقد هدان ) للتخفيف وصلا ووقفا في قراءة نافع من رواية قالون وفي الوقف فقط في قراءة بعض العشرة . وقد تقدم في قوله تعالى ( أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) .
وقوله ( ولا أخاف ما تشركون به ) معطوف على ( أتحاجوني ) فتكون إخبارا أو على جملة ( وقد هدان ) فتكون تأكيدا للإنكار . وتأكيد الإنكار بها أظهر منه لقوله ( وقد هدان ) لأن عدم خوفه من آلهتهم قد ظهرت دلائله عليه . فقومه إما عالمون به أو منزلون منزلة العالم كما تقدم في قوله ( وقد هدان ) وهو يؤذن بأنهم حاجوه في التوحيد وخوفوه بطش آلهتهم ومسهم إياه بسوء إذ لا مناسبة بين إنكار محاجتهم إياه وبين نفي خوفه من آلهتهم ولا بين هدى الله إياه وبين نفي خوفه آلهتهم فتعين أنهم خوفوه مكر آلهتهم . ونظير ذلك ما حكاه الله عن قوم هود ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) .
و ( ما ) من قوله ( ما تشركون به ) موصولة ما صدقها آلهتهم التي جعلوها شركاء لله في الإلهية .
والضمير في قوله ( به ) يجوز أن يكون عائدا على اسم الجلالة فتكون الباء لتعدية فعل ( تشركون ) وأن يكون عائدا إلى ( ما ) الموصولة فتكون الباء سببية أي الأصنام التي بسببها أشركتم