وللنبوءة أحكام كثيرة تتعلق بموصوفها وبمعاملة المسلمين لمن يتصف بها : منها معنى النبي والرسول ومعنى المعجزة التي هي دليل تحقق النبوءة أو الرسالة لمن أتى بها وما يترتب على ذلك من وجوب الإيمان بما يبلغه عن الله تعالى من شرع وآداب ومسائل كثيرة من ذلك مبسوطة في علم الكلام فليرجع إليها . إنما الذي يهمنا من ذلك في هذا التفسير هو ما أومأ به قوله تعالى في آخرها ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) . فمن علم هذه الآيات في هذه السورة وكان عالما بمعناها وجب عليه الإيمان بنبوءة من جرت أسماؤهم فيها .
وقد ذكر علماؤنا أن الإيمان بأن الله أرسل رسلا ونبأ أنبياء لإرشاد الناس واجب على الجملة أي إيمانا بإرسال أفراد غير معينين أو بنبوءة أفراد غير معننين دون تعيين شخص معين باسمه ولا غير ذلك مما يميزه عن غيره إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في الرسالة " الباعث " صفة لله تعالى " الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم " . فإرسال الرسل جائز في حق الله غير واجب وهو واقع على الإجمال دون تعيين شخص معين . وقد ذكر صاحب المقاصد أن إرسال الرسل محتاج إليه وهو لطف من الله بخلقه وليس واجبا عليه . وقالت المعتزلة وجمع من المتكلمين " أي من أهل السنة " مما وراء النهر بوجوب إرسال الرسل عليه تعالى .
A E ولم يذكر أحد من أئمتنا وجوب الإيمان بنبي معين غير محمد صلى الله عليه وسلم رسولا إلى الخلق كافة . قال أبو محمد بن أبي زيد " ثم ختم أي الله الرسالة والنذارة والنبوءة بمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم الخ " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب من سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " الخ . فلم يعين رسلا مخصوصين . وقال في جواب سؤاله عن الإسلام " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " .
فمن علم هذه الآيات وفهم معناها وجب عليه الاعتقاد بنبوءة المذكورين فيها . ولعل كثيرا لا يقرأونها وكثيرا ممن يقرأونها لا يفهمون مدلولاتها حق الفهم فلا يطالبون بتطلب فهمهما واعتقاد ما دلت عليه إذ ليس ذلك من أصول الإيمان والإسلام ولكنه من التفقه في الدين .
قال القاضي عياض في فصل " سابع " من فصول الباب الثالث من القسم الرابع من كتاب الشفاء " وهذا كله " أي ما ذكره من إلزام الكفر أو الجرم الموجب للعقوبة لمن جاء في حقهم بما ينافي ما يجب لهم " فيمن تكلم فيهم " أي الأنبياء أو الملائكة " بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين " أي على مجموعهم لا على جميعهم قاله الخفاجي يريد بالجميع كل فرد فرد " ممن حقفنا كونه منهم ممن نص عليه في كتابه أو حققنا علمه بالخبر المتواتر والإجماع القاطع والخبر المشتهر المتفق عليه " الواو في هذا التقسيم بمعنى أو " . فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الأنبياء كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية " امرأة فرعون " وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس فليس الحكم في سابهم والكافر بهم كالحكم فيما قدمناه " اه .
فإذا علمت هذا علمت أن ما وقع في أبيات ثلاثة نظمها البعض " ذكرها الشيخ إبراهيم البيجوري في مبحث الإيمان من شرحه على جوهرة التوحيد " : .
حتم على كل ذي التكليف معرفة ... بأنبياء على التفصيل قد علموا .
" في " تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهم .
إدريس . هود . شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا لا يستقيم إلا بتكلف لأن كون معرفة ذلك حتما يقتضي ظاهره الاصطلاحي أنه واجب وهذا لا قائل به فإن أراد بالحتم الأمر الذي لا ينبغي إهماله كان متأكدا لقوله : على كل ذي التكليف . فلو عوضه بكل ذي التعليم .
ولعله أراد بالحتم أنه يتحتم على من علم ذلك عدم إنكار كون هؤلاء أنبياء بالتعيين ولكن شاء بين وجوب معرفة شيء وبين منع إنكاره بعد أن يعرف .
فأما رسالة هود وصالح وشعيب فقد تكرر ذكرها في آيات كثيرة