وأما معرفة نبوءة ذي الكفل ففيها نظر إذ لم يصرح في سورة الأنبياء بأكثر من كونه من الصابرين والصالحين . واختلف المفسرون في عدة من الأنبياء ونسب إلى الجمهور القول بأنه نبي . وعن أبي موسى الأشعري ومجاهد : أن ذا الكفل لم يكن نبيا . وسيأتي ذكر ذلك في سورة الأنبياء .
وأما آدم فإنه نبي منذ كونه في الجنة فقد كلمه الله غير مرة . وقال ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) فهو قد أهبط إلى الأرض مشرفا بصفة النبوءة . وقصة ابني آدم في سورة المائدة دالة على أن آدم بلغ لأبنائه شرعا لقوله تعالى فيها ( إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ) .
فالذي نعتمده أن الذي ينكر نبوءة معين ممن سمي في القرآن في عداد الأنبياء في سورة النساء وسورة هود وسورة الأنعام وسورة مريم وكان المنكر محققا علمه بالآية التي وصف فيها بأنه نبي ووقف على دليل صحة ما أنكره وروجع فصمم على إنكاره إن ذلك الإنكار يكون كفرا لأنه أنكر معلوما بالضرورة بعد التنبيه عليه لئلا يعتذر بجهل أو تأويل مقبول .
A E واعلم أني تطلبت كشف القناع عن وجه الاقتصار على تسمية هؤلاء الأنبياء من بين سائر الأنبياء من ذرية إبراهيم أو ذرية نوح " على الوجهين في معاد ضمير ( ذريته ) . فلم يتضح لي وتطلبت وجه ترتيب أسمائهم هذا الترتيب وموالاة بعض هذه الأسماء لبعض في العطف فلم يبد لي وغالب ظني أن من هذه الوجوه كون هؤلاء معروفون لأهل الكتاب وللمشركين الذين يقتبسون معرفة الأنبياء من أهل الكتاب وأن المناسبة في ترتيبهم لا تخلو من أن تكون ناشئة عن الابتداء بذكر أن إسحاق ويعقوب موهبة لإبراهيم وهما أب وابنه فنشأ الانتقال من واحد إلى آخر بمناسبة للانتقال وأن توزيع أسمائهم على فواصل ثلاث لا يخلو عن مناسبة تجمع بين أصحاب تلك الأسماء في الفاصلة الشاملة لأسمائهم . ويجوز أن خفة أسماء هؤلاء في تعريبها إللا العربية حروفا ووزنا لها أثر في إيثارها بالذكر دون غيرها من الأسماء نحو " شمعون وشمويل وحزقيال ونحميا " وأن المعدودين في هذه الآيات الثلاث توزعوا الفضائل إذ منهم الرسل والأنبياء والملوك وأهل الأخلاق الجليلة العزيزة من الصبر وجهاد النفس والجهاد في سبيل الله والمصابرة لتبليغ التوحيد والشريعة ومكارم الأخلاق كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في آخر الآيات ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ) ومن بينهم أصلا الأمتين العربية والإسرائيلية .
فلما ذكر إسحاق ويعقوب أردف ذكرهما بذكر نبيين من ذرية إسحاق وإسحاق ويعقوب وهما أب وابنه من الأنبياء هما داود وسليمان مبتدءا بهما على بقية ذرية إسحاق ويعقوب لأنهما نالا مجدين عظيمين مجد الآخرة بالنبوءة ومجد الدنيا بالملك . ثم أردف بذكر نبيين تماثلا في أن الضر أصاب كليهما وأن انفراج الكرب عنهما بصبرهما . وهما أيوب ويوسف . ثم بذكر رسولين أخوين هما موسى وهارون وقد أصاب موسى مثل ما أصاب يوسف من الكيد له لقتله ومن نجاته من ذلك وكفالته في بيت الملك فهؤلاء الستة شملتهم الفاصلة الأولى المنتهية بقوله تعالى ( وكذلك نجزي المحسنين )