والمعشر : الجماعة الذين أمرهم وشأنهم واحد بحيث تجمعهم صفة أو عمل وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه . وهو يجمع على معاشر أيضا وهو بمعناه وهو مشتق من المعاشرة والمخالطة .
والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبين الصفة التي اجتمع مسماه فيها وهي هنا كونهم جنا ولذلك إذا عطفت على ما يضاف إليه كان على تقدير تثنية معشرا وجمعه : فالتثنية نحو : ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ) الآية أي يا معشر الجن ويا معشر الإنس والجمع نحو قولك : يا معاشر العرب والعجم والبربر .
والجن تقدم في قوله : ( وجعلوا لله شركاء الجن ) في هذه السورة . والمراد بالجن الشياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجن . والإنس تقدم عند قوله : ( شياطين الإنس والجن ) في هذه السورة .
والاستكثار : شدة الإكثار . فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل الاستلام والاستخداع والاستكبار ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتخذ كثير يقال : استكثر من النعم أو من المال أي أكثر من جمعها واستكثر الأمير من الجند ولا يتعدى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الذي بمعنى عد الشيء كثيرا كقوله : ولا تمنن تستكثر ) .
وقوله : ( استكثرتم من الإنس ) على حذف مضاف وتقديره : من إضلال الإنس أو من إغوائهم فمعنى ( استكثرتم من الإنس ) أكثرتم من اتخاذهم أي من جعلهم أتباعا لكم أي تجاوزتم الحد في استهوائهم واستغوائهم فطوعتهم منهم كثيرا جدا .
والكلام توبيخ للجن وإنكار أي كان أكثر الإنس طوعا لكم . والجن يشمل الشياطين وهم يغوون الناس ويطوعونهم : بالوسوسة والتخييل والإرهاب والمس ونحو ذلك حتى توهم الناس مقدرتهم وأنهم محتاجون إليهم فتوسلوا إليهم بالإرضاء وترك اسم الله على ذبائحهم وفي شؤونهم حتى أصبح المسافر إذا نزل واديا قال : " أعوذ بسيد هذا الوادي . أو برب هذا الوادي يعني به كبير الجن أو قال : يا رب الوادي إني أستجير بك " يعني سيد الجن . وكان العرب يعتقدون أن الفيافي والأودية المتسعة بين الجبال معمورة بالجن ويتخيلون أصوات الرياح زجل الجن . قال الأعشى : .
وبلدة مثل ظهر الترس موحشة ... للجن بالليل في حافاتها زجل وفي الكلام تعريض بتوبيخ الإنس الذين اتبعوهم وأطاعوهم وأفرطوا في مرضاتهم ولم يسمعوا من يدعوهم إلى نبذ متابعتهم كما يدل عليه قوله الآتي : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) فإنه تدرج في التوبيخ وقطع المعذرة .
والمراد بأوليائهم أولياء الجن : أي الموالون لهم والمنقطعون إلى التعلق بأحوالهم . وأولياء الشياطين هم المشركون الذين وافوا المحشر على الشرك وقيل : أريد به الكفارة والعصاة من المسلمين وهذا باطل لأن العاصي وإن كان قد أطاع الشياطين فليس وليا لها ( الله ولي الذين آمنوا ) ولأن الله تعالى قال في آخر الآية : ( ألم يأتكم رسل منكم ) - وقال : ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) .
و ( من الإنس ) بيان للأولياء .
وقد اقتصر على حكاية جواب الإنس لأن الناس المشركين هم المقصود من الموعظة بهذه الآية .
ومعنى : ( استمع بعضنا ببعض ) انتفع وحصل شهوته وملائمه أي استمتع الجن بالإنس وانتفع الإنس بالجن فكل بعض مراد به أحد الفريقين لأنه بعض مجوع الفريقين . وإنما قالوا : استمتع بعضنا ببعض ولم يكن الإنس هم المخاطبين بالتوبيخ لأنهم أرادوا الاعتذار عن أوليائهم من الجن ودفع التوبيخ عنهم بأن الجن لم يكونوا هم المستأثرين بالانتفاع بتطويع الإنس بل نال كل من الفريقين انتفاعا بصاحبه وهؤلاء المعتذرون يحتمل أنهم أرادوا مشاطرة الجناية إقرار بالحق وإخلاصا لأوليائهم أو أرادوا الاعتذار عن أنفسهم لما علموا من أن توبيخ الجن المغوين يعرض بتوبيخ المغوين بفتح الواو . فأقروا واعتذروا بأن ما فعلوه لم يكن تمردا على الله ولا استخفاف بأمره ولكنه كان لإرضاء الشهوات من الجانبين وهي المراد بالاستمتاع .
ولكونهم ليسوا بمخاطبين ابتداء . وكون كلامهم دخيلا في المخاطبة لم تفصل جملة قولهم كما تفصل جمل المحاورة في السؤال والجواب بل عطفت على جملة القول المقدر لأنها قول آخر عرض في ذلك اليوم .
A E