وقوله : ( معوشات وغير معروشات ) صفة : ل ( جنات ) قصد منها تحسين الموصوف والتذكير بنعمة الله أن ألهم الإنسان إلى جعلها على صفتين فإن ذكر محاسن ما أنشأه الله يزيد في المنة كقوله في شأن الأنعام ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) .
و ( مختلفا أكله ) حال من الزرع وهو أقرب المذكورات إلى اسم الحال ويعلم أن النخل والجنات كذلك والمقصود التذكير بعجيب خلق الله فيفيد ذكر الحال مع أحد الأنواع تذكر مثله في لنوع الآخر وهذا كقوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) أي وإليه وهي حال مقدرة على ظاهر قول النحويين لأنها مستقلة عن الإنشاء وعندي أن عامل الحال إذا كان مما يحصل معناه في أزمنة وكانت الحال مقارنة لبعض أزمنة عاملها فهي جديرة بان تكون مقارنة كما هنا .
( والأكل ) " بضم الهمزة وسكون الكاف " لنافع وابن كثير و " بضمهما " قرأه الباقون هو الشيء الذي يؤكل أي مختلفا ما يؤكل منه .
وعطف : ( والزيتون والرمان ) على : ( جنات والنخل والزرع ) . والمراد شجر الزيتون وشجر الرمان . وتقدم القول في نظيره عند قوله تعالى : ( وهو الذي أنزل من السماء ماء ) الآية في هذه السورة .
إلا أنه قال هناك : ( مشتبها ) وقال هنا : ( متشابها ) وهما بمعنى واحد لأن التشابه حاصل من جانبين فليست صيغة التفاعل للمبالغة ألا ترى أنهما استويا في قوله ( وغير متشابه ) في الآيتين .
( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه ويوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [ 141 ] ) غير أسلوب الحكاية عن أحوال المشركين فأقبل على خطاب المؤمنين بهذه المنة وهذا الحكم ؛ فهذه الجمل معترضة وهي تعريض بتسفيه أحلام المشركين لتحريمهم على أنفسهم ما من الله به عليهم .
والثمر : " بفتح الثاء والميم وبضمهما " وقرئ بهما كما تقدم بيانه في نظيرتها .
والأمر للإباحة بقرينة أن الأكل من حق الإنسان الذي لا يجب عليه أن يفعله فالقرينة ظاهرة . والمقصود الرد على الذين حجروا على أنفسهم بعض الحرث .
و ( إذا ) مفيدة للتوقيت لأنها ظرف أي : حين إثماره والمقصود من التقييد بهذا الظرف إباحة الأكل منه عند ظهوره وقبل حصاده تمهيدا لقوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) أي : كلوا منه قبل أداء حقه . وهذه رخصة ومنة لأن العزيمة أن لا يأكلوا إلا بعد إعطاء حقه كيلا يستأثروا بشيء منه على أصحاب الحق إلا أن رخص للناس في الأكل توسعة عليهم أن يأكلوا منه أخضر قبل يبسه لأنهم يستطيبونه كذلك ولذلك عقبه بقوله ( ولا تسرفوا ) كما سيأتي .
وإفراد الضميرين في قوله : ( من ثمره إذا أثمر ) على اعتبار تأويل المعاد بالمذكور .
والأمر في وقله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) خطاب خاص بالمؤمنين كما تقدم . وهذا الأمر ظاهر في الوجوب بقرينة تسمية المأمور به حقا .
وأضيف الحق إلى ضمير المذكور لأدنى ملابسة أي الحق الكائن فيه .
وقد أجمل الحق اعتمادا على ما يعرفونه وهو : حق الفقير والقربى والضعفاء والجيرة . فقد كان العرب إذا جذوا ثمارهم أعطوا منها من يحضر من المساكين والقرابة . وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : ( فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ) . فلما جاء الإسلام أوجب على المسلمين هذا الحق وسماه حقا كما في قوله تعالى : ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) . وسماه الله زكاة في آيات كثيرة ولكنه اجمل مقداره وأجمل الأنواع التي فيها الحق ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير وكان هذا قبل شرع نصبها ومقاديرها . ثم شرعت الزكاة وبينت السنة نصبها ومقاديرها .
والحصاد " بكسر الحاء وبفتحها " قطع الثمر والحب من أصوله وهو مصدر على وزن الفعال أو الفعال . قال سيبويه ( جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال وذلك الصرام والجزاز والجداد والقطاع والحصاد وربما دخلت اللغة في بعض هذا " لأي اختلفت اللغات فقال بعض القبائل حصاد " بفتح الحاء " وقال بعضهم حصاد " بكسر الحاء " فكان فيه فعال وفعال فإذا أرادوا الفعل على فعلت قالوا حصدته حصدا وقطعته قطعا إنما تريد العمل لا انتهاء الغاية .
A E