وقوله : ( إنه لا يحب المسرفين ) استئناف قصد به تعميم حكم النهي عن الإسراف . وأكد ب ( إن ) لزيادة تقرير الحكم فبين أن الإسراف من الأعمال التي لا يحبها فهو من الأخلاق التي يلزم الانتهاء عنها . ونفي المحبة مختلف المراتب فيعلم أن نفي المحبة يشتد بمقدار قوة الإسراف وهذا حكم مجمل وهو ظاهر في التحريم وبيان هذا الإجمال هو في مطاوي أدلة أخرى والإجمال مقصود .
ولغموض تأويل هذا النهي وقوله : ( إنه لا يحب المسرفين ) تفرقت آراء المفسرين في تفسير معنى الإسراف المنهي عنه ليعينوه في إسراف حرام حتى قال بعضهم : إنها منسوخة وقد علمت المنجي من ذلك كله .
فوجه عدم محبة الله إياهم أن الإفراط في تناول اللذات والطيبات والإكثار من بذل المال في تحصيلها يفضي غالبا إلى استنزاف الأموال والشره إلى الاستكثار منها فإذا ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصيل المال من وجوه فاسدة ليخمد بذلك نهمته إلى اللذات فيكون ذلك دأبه فربما ضاق عليه ماله فشق عليه الإقلاع عن معتاده فعاش في كرب وضيق وربما تطلب المال من وجوه غير مشروعة فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدنيا أو في الآخرة ثم إن ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة . وينشأ عن ذلك ملام وتوبيخ وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة . فأما كثرة الإنفاق في وجوه البر فإنها لا توقع في مثل هذا لأن المنفق لمحبة لذاته لأن داعي الحكمة قابل للتأمل والتحديد بخلاف داعي الشهوة . ولذلك قيل في الكلام الذي يصح طردا وعكسا : " لا خير في السرف ولا سرف في الخير " وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأعراف : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " .
( ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [ 142 ] ) عطف : ( حمولة ) على : ( جنات معروشات ) أي : وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا فينسحب عليه القصر الذي في المعطوف عليه أي هو الذي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا لا آلهة المشركين فكان المشركون ظالمين في جعلهم للأصنام حقا في الأنعام .
و ( من ) في قوله : ( ومن الأنعام ) ابتدائية لأن الابتداء معنى يصلح للحمولة وللفرش لأنه أوسع معاني ( من ) . والمجرور : إما متعلق ب ( أنشأ ) وإما حال من ( حمولة ) أصلها صفة فلما قدمت تحولت .
وأيا ما كان فتقديم المجرور على المفعول الذي هو أولى بالتقديم في ترتيب المتعلقات أو تقديم الصفة على الموصوف لقصد الاهتمام بأمر الأنعام لأنها المقصود الأصلي من سياق الكلام وهو إبطال تحريم بعضها وإبطال جعل نصيب منها للأصنام وأما الحمل والفرش فذلك امتنان أدمج في المقصود توفيرا للأغراض ولأن للامتنان بذلك أثرا واضحا في إبطال تحريم بعضها الذي هو تضييق في المنة ونبذ للنعمة وليتم الإيجار إذ يغني عن أن يقول : وأنشأ لكم الأنعام وأنشأ منها حمولة وفرشا كما سيأتي .
والأنعام : الإبل والبقر والشاء والمعز وقد تقدم في صدر سورة العقود والحمولة " بفتح الحاء " ما يحمل عليه المتاع أو الناس يقال : حمل المتاع وحمل فلانا قال تعالى : ( إذا ما أتوك لتحملهم ) ويلزمها التأنيث والإفراد مثل ( صرورة ) للذي لم يحج يقال : امرأة صرورة ورجل صرورة .
والفرش : اختلف في تفسيره في هذه الآية فقيل : الفرش ما لا يطيق الحمل من الإبل أي فهو يركب كما يفرش الفرش وهذا قول الراغب . وقيل : الفرش الصغار من الإبل أو من الأنعام كلها لأنها قريبة من الأرض فهي كالفرش . وقيل : الفرش ما يذبح لأنه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده أي فهو الضان والمعز والبقر لأنها تذبح . وفي اللسان عن أبي إسحاق : أجمع أهل اللغة على أن الفرش هو صغار الإبل .
A E