وافتتح الكلام المأمور بأن يقوله بقوله : ( لا أجد ) إدماجا للرد على المشركين في خلال بيان ما حرم على المسلمين وهذا الرد جار على طريقة كناية الإيماء بأن لم ينف تحرم ما ادعوا تحريمه صريحا ولكنه يقول لا أجده فيما أوحي إلي ويستفاد من ذلك أنه ليس تحريمه من الله في شرعه لأنه لا طريق إلى تحريم شيء مما يتناوله الناس إلا بإعلام من الله تعالى لأن الله هو الذي يحل ما شاء ويحرم ما شاء ويحرم ما شاء على وفق علمه وحكمته وذلك الإعلام لا يكون إلا بطريق الوحي أو ما يستنبط منه فإذا كان حكم غير موجود في الوحي ولا في فروعه فهو حكم غير حق فاستفيد بطلان تحريم ما زعموه بطريقة الإيماء وهي طريقة استدلالية لأن فيها نفي الشيء بنفي ملزومه .
و ( أجد ) بمعنى : أظفر . وهو الذي مصدره الوجد والوجدان وهو هنا مجاز في حصول الشيء وبلوغه . يقال : وجدت فلانا ناصرا . أي حصلت عليه فشبه التحصيل للشيء بالظفر وإلفاء المطلوب . وهو متعد إلى مفعول واحد .
والمراد ب ( ما أوحي ) ما أعلمه الله رسوله A بوحي غير القرآن لأن القرآن النازل قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وإنما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثم في سورة المائدة .
والطاعم : الآكل يقال : طعم كعلم إذا أكل الطعام ولا يقال ذلك للشارب وأما طعم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات وأكثر استعماله في النفي . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) في سورة البقرة وبذلك تكون الآية قاصرة على بيان محرم المأكولات .
وقوله : ( يطعمه ) صفة ( لطاعم ) وهي صفة مؤكدة مثل قوله : ( ولا طائر يطير بجناحيه ) .
والاستثناء من عموم الأكوان التي دل عليها وقوع النكرة في سياق النفي أي لا أجد كائنا محرما إلا كونه ميتة الخ أي : إلا الكائن ميتة الخ فالاستثناء متصل .
والحصر المستفاد من المنفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية . فلم يكن يومئذ من محرمات الأكل غير هذه المذكورات لأن الآية مكية ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات كما يأتي قريبا .
والمسفوح : المصبوب السائل وهو ما يخرج من المذبح والمنحر . أو من الفصد في بعض عروق الأعضاء فيسيل . وقد كان العرب يأكلون الدم الذي يسيل من أوداج الذبيحة أو من منحر المنحورة ويجمعونه في مصير أو جلد ويجففونه ثم يشوونه وربما فصدوا من قوائم الإبل مفصدا فأخوا ما يحتاجون من الدم بدون أن يهلك البعير وربما خلطوا الدم بالوبر ويسمونه " العلهز " وذلك في المجاعات .
وتقييد الدم بالمسفوح للتنبيه على العفو عن الدم الذي ينز من عروق اللحم عند طبخه فإنه لا يمكن الاحتراز عنه .
وقوله : ( فإنه رجس ) جملة معترضة بين المعطوفات والضمير قيل : عائد إلى لحم الخنزير والأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله وأن إفراد الضمير على تأويله بالمذكور أي فإن المذكور رجس كما يفرد اسم الإشارة مثل قوله ( ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) .
والرجس : الخبيث والقذر وقد مضى بيانه عند قوله تعالى : ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) في هذه السورة فإن كان الضمير عائدا إلى لحم الخنزير خاصة فوصفه برجس تنبيه على ذمة وهو ذم زائد على التحريم فوصفه به تحذير من تناوله وتأنيس للمسلمين بتحريمه لأن معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدم فما يأكلونها إلا في الخصاصة .
وخباثة الخنزير علمها الله تعالى الذي خلقه . وتبين أخيرا أن لحمه يشتمل على ذرات حيوانية مضرة لآكله أثبتها علم الحيوان وعلم الطب . وقيل : أريد أنه نجس لأنه يأكل النجاسات وهذا لا يستقيم لأن بعض الدواب تأكل النجاسة وتسمى الجلالة وليست محرمة الأكل في صحيح أقوال العلماء .
وإن كان الضمير على علة التحريم وأنها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء . وهي مفسدة بدنية . فأما الميتة فلما يتحول إليه جسم الحيوان بعد الموت من التعفن ولأن المرض الذي كان سبب موته قد ينتقل إلى آكله . وأما الدم فلأن فيه أجزاء مضرة ولأن شربه يورث ضراوة .
A E