ويجوز أن يكون قوله : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ) وما أشبهه مما افتتح بقوله : ( يا بني آدم ) أربع مرات من جملة المقول المحكي بقوله : ( قال فيها تحيون ) فيكون مما خاطب الله بني آدم في ابتداء عهدهم بعمران الأرض على لسان أبيهم أو بطريق من طرق الإعلام الإلهي ولو بالإلهام لما تنشأ به في نفوسهم هذه الحقائق فابتدأ فأعلمهم بمنته عليهم أن أنزل لهم لباسا يواري سوآتهم ويتجملون به بمناسبة ما قص الله عليهم من تعري أبويهم حين بدت لهما سوءاتهما ثم بتحذيرهم من كيد الشيطان وفتنته بقوله : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ) ثم بأن أمرهم بأخذ اللباس وهو زينة الإنسان عند مواقع العبادة لله تعالى بقوله : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ثم بأن أخذ عليهم بأن يصدقوا الرسل وينتفعوا بهديهم بقوله : ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) الآية واستطرد بين ذلك كله بمواعظ تنفع الذين قصدوا من هذا القصص وهم المشركون المكذبون محمد A فهم المقصود من هذا الكلام كيفما تفننت أساليبه وتناسق نظمه وأيا ما كان فالمقصود الأول من هذه الخطابات أو من حكاياتها هم مشركو العرب ومكذبو محمد A ولذلك تخللت هذه الخطابات مستطردات وتعريضات مناسبة لما وضعه المشركون من التكاذيب في نقض أمر الفطرة .
والجمل الثلاث من قوله : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ) وقوله ( يا بني آدم يفتننكم الشيطان ) وقوله ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) متصلة تمام الاتصال بقصة فتنة الشيطان لآدم وزوجه أو متصلة بالقول المحكي بجملة : ( قال فيها تحيون ) على طريقة تعداد المقول تعدادا يشبه التكرير .
وهذا الخطاب يشمل المؤمنين والمشركين ولكن الحظ الأوفر منه للمشركين : لأن حظ المؤمنين منه هو الشكر على يقينهم بأنهم موافقون في شؤونهم لمرضاة ربهم وأما حظ المشركين فهو الإنذار بأنهم كافرون بنعمة ربهم معرضون لسخطه وعقابه .
وابتدئ الخطاب بالنداء ليقع إقبالهم على ما بعده بشراشر قلوبهم وكان لاختيار استحضارهم عند الخطاب بعنوان بني آدم مرتين وقع عجيب بعد الفراغ من ذكر قصة خلق آدم وما لقيه من وسوسة الشيطان : وذلك أن شأن الذرية أن تثأر لآبائها وتعادي عدوهم وتحترس من الوقوع في شركه .
ولما كان إلهام الله آدم أن يستر نفسه بورق الجنة منة عليه وقد تقلدها بنوه خوطب الناس بشمول هذه المنة لهم بعنوان يدل على أنها منة موروثة وهي أوقع وأدعى للشكر ولذلك سمى تيسير اللباس لهم وإلهامهم إياه إنزالا لقصد تشريف هذا المظهر وهو أول مظاهر الحضارة بأنه منزل على الناس من عند الله أو لأن الذي كان منه على آدم نزل به من الجنة إلى الأرض التي هو فيها فكان له في معنى الإنزال مزيد اختصاص على أن مجرد الإلهام إلى استعماله بتسخير إلهي مع ما فيه من عظيم الجدوى على الناس والنفع لهم يحسن استعارة فعل الإنزال إليه تشريفا لشأنه وشاركه في هذا المعنى ما يكون من الملهمات عظيم النفع كما في قوله : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) أي أنزلنا الإلهام إلى استعماله والدفاع به وكذلك قوله : ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) أي : خلقها لكم في الأرض بتدبيره وعلمكم استخدامها والانتفاع بما فيها ولا يطرد في جميع ما ألهم إليه البشر مما هو دون هذه في الجدوى وقد كان ذلك اللباس الذي نزل به آدم هو أصل اللباس الذي يستعمله البشر .
وهذا تنبيه إلى أن اللباس من أصل الفطرة الإنسانية والفطرة أول أصول الإسلام وأنه مما كرم الله به النوع منذ ظهوره في الأرض وفي هذا تعريض بالمشركين إذ جعلوا من قربانهم نزع لباسهم بأن يحجوا عراة كما سيأتي عند قوله : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) فخالفوا الفطرة وقد كان الأمم يحتفلون في أعياد أديانهم بأحسن اللباس كما حكى الله عن موسى " عليه السلام " وأهل مصر : ( قال موعدكم يوم الزينة ) .
واللباس اسم لما يلبسه الإنسان أي يستر به جزءا من جسده فالقميص لباس والإزار لباس والعمامة لباس ويقال لبس التاج ولبس الخاتم قال تعالى : ( وتستخرجون حلية تلبسونها ) ومصدر لبس اللبس - بضم اللام - .
A E