وأما الإثم فهو كل ذنب فهو أعم من الفواحش وتقدم في قوله تعالى : ( قل فيهما إثم كبير ) في سورة البقرة . وقوله : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) في سورة الأنعام فيكون ذكر الفواحش قبله للاهتمام بالتحذير منها قبل التحذير من عموم الذنوب فهو من ذكر الخاص قبل العام للاهتمام كذكر الخاص بعد العام إلا أن الاهتمام الحاصل بالتخصيص مع التقديم أقوى لأن فيه اهتماما من جهتين .
وأما البغي فهو الاعتداء على حق الغير بسلب أموالهم أو بأذاهم والكبر على الناس من البغي فما كان بوجه حق فلا يسمى بغيا ولكنه أذى قال الله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ) وقد كان البغي شائعا في الجاهلية فكان القوي يأكل الضعيف وذو البأس يغير على أنعام الناس ويقتل أعداءه منهم ومن البغي أن يضربوا من يطوف بالبيت بثيابه إذا كان من غير الحمس . وأن يلزموه بأن لا يأكل غير طعام الحمس ولا يطوف إلا في ثيابهم .
وقوله : ( بغير الحق ) صفة كاشفة للبغي مثل العشاء الآخرة لأن البغي لا يكون إلا بغير حق .
وعطف ( البغي ) على ( الإثم ) من عطف الخاص على العام للاهتمام به لأن البغي كان دأبهم في الجاهلية . قال سوار بن المضرب السعدي : .
وأني لا أزال أخا حروب ... إذا لم أجن كنت مجن جان والإشراك معروف وقد حرمه الله تعالى على لسان جميع الأنبياء منذ خلق البشر .
و ( ما لم ينزل به سلطانا ) موصول وصلته و ( ما ) مفعول ( تشركوا بالله ) والسلطان البرهان والحجة والمجرور في قوله : ( به ) صفة ل ( سلطانا ) والباء للمصاحبة بمعنى معه أي لم ينزل حجة مصاحبة له وهي مصاحبة الحجة للمدعي وهي مصاحبة مجازية ويجوز أن يكون الباء بمعنى على للاستعلاء المجازي على حد قوله تعالى : ( من إن تأمنه بقنطار ) أي سلطانا عليه أي دليلا . وضمير به عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصلة . فمعنى نفي تنزيل الحجة على الشركاء : نفي الحجة الدالة على إثبات صفة الشركة مع الله في الإلهية فهو من تعليق الحكم بالذات والمراد وصفها مثل حرمت عليكم الميتة أي أكلها . وهذه الصلة مؤذنة بتخطئة المشركين ونفي معذرتهم في الإشراك بأنه لا دليل يشتبه على الناس في عدم استحقاق الأصنام العبادة فعرف الشركاء المزعومين تعريفا لطريق الرسم بأن خاصتهم : أن لا سلطان على شركتهم لله في الإلهية فكل صنم من أصنامهم واضحة فيه هذه الخاصة فإن الموصول وصلته من طرق التعريف وليس ذلك كالوصف وليس للموصول وصلته مفهوم مخالفة ولا الموصولات معدودة في صيغ المفاهيم فلا يتجه ما أورده الفخر من أن يقول قائل : هذا يوهم أن من بين الشرك ما أنزل الله به سلطانا واحتياجه إلى دفع هذا الإيهام ولا ما قفاه عليه صاحب الانتصاف من تنظير نفي السلطان في هذه الآية بنحو قول امرئ القيس : .
" على لا حب لا يهتدى بمناره ولا يتجه ما نحاه صاحب الكشاف من إجراء هذه الصلة على طريقة التهكم .
وقوله : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) تقدم نظيره آنفا عند قوله تعالى في هذه السورة : ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) .
وقد جمعت هذه الآية أصول أحوال أهل الجاهلية فيما تلبسوا به من الفواحش والآثام وهم يزعمون أنهم يتورعون عن الطواف في الثياب وعن أكل بعض الطيبات في الحج . وهذا من ناحية قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) .
( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [ 34 ] ) اعتراض بين جملة : ( يا بني آدم خذوا زينتكم ) وبين جملة : ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) لما نعى الله على المشركين ضلالهم وتمردهم بعد أن دعاهم إلى الإيمان وإعراضهم عنه بالمجادلة والتوبيخ وإظهار نقائصهم بالحجة البينة وكان حالهم حال من لا يقلع عما هم فيه أعقب ذلك بإنذارهم ووعيدهم إقامة للحجة عليهم وأعذارا لهم قبل حلول العذاب بهم .
وهذه الجملة تؤكد الغرض من جملة : ( وكم من قرية أهلكناها ) . وتحتمل معنيين : A E