أحدهما : أن يكون المقصود بهذا الخبر المشركين بأن أقبل الله على خطابهم أو أمر نبيه بأن يخاطبهم لأن هذا الخطاب خطاب وعيد وإنذار .
والمعنى الثاني : أن يكون المقصود بالخبر النبي A فيكون وعدا له بالنصر على مكذبيه وإعلاما له بأن سنته سنة غيره من الرسل بطريقة جعل سنة أمته كسنة غيرها من الأمم .
وذكر عموم الأمم في هذا الوعيد مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على الماضي فيكون الوعيد خبرا معضودا بالدليل والحجة . كما قال تعالى في آيات كثيرة منها : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : ما أنتم إلا أمة من الأمم المكذبين ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل سيحين حينه .
وذكر الأجل هنا دون أن يقول لكل أمة عذاب أو استئصال إيقاظا لعقولهم من أن يغرهم الإمهال فيحسبوا أن الله غير مؤاخذهم على تكذيبهم كما قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) وطمأنة للرسول A بأن تأخير العذاب عنهم إنما هو جري على عادة الله تعالى في إمهال الظالمين على حد قوله : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) وقوله ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ) .
ومعنى : ( لكل أمة أجل ) لكل أمة مكذبة إمهال فحذف وصف أمة أي : مكذبة .
وجعل لذلك الزمان نهاية وهي الوقت المضروب لانقضاء الإمهال فالأجل يطلق على مدة الإمهال ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال ولا شك أنه وضع لأحد الأمرين ثم استعمل في الآخر على تأويل منتهى المدة أو تأخير المنتهى وشاع الاستعمالان فعلى الأول يقال قضى الأجل أي المدة كما قال تعالى : ( إيما الأجلين قضيت ) وعلى الثاني يقال : ( دنا أجل فلان ) وقوله تعالى : ( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) والواقع في هذه الآية يصح للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأول المدة وبالثاني الوقت المحدد لفعل ما .
والمراد بالأمة هنا الجماعة التي اشتركت في عقيدة الإشراك أو في تكذيب الرسل كما يدل عليه السياق من قوله تعالى : ( وأن تشركوا بالله ) الخ وليس المراد بالأمة الجماعة التي يجمعها نسب أو لغة إذ لا يتصور انقراضها عن بكرة أبيها ولم يقع في التاريخ انقراض إحداها وإنما وقع في بعض الأمم أن انقرض غالب رجالها بحوادث عظيمة مثل " طسم " و " جديس " و " عدوان " فتندمج بقاياها في أمم أخرى مجاورة لها فلا يقال لأمة إن لها أجلا تنقرض فيه إلا بمعنى جماعة يجمعها أنها مرسل إليها رسول فكذبته وكذلك كان ما صدق هذه الآية فإن العرب لما أرسل محمد A ابتدأ دعوته فيهم ولهم فآمن به من آمن وتلاحق المؤمنون أفواجا وكذب به أهل مكة وتبعهم من حولهم وأمهل الله العرب بحكمته وبرحمة نبيه A إذ قال : ( لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) فلطف الله بهم إذ جعلهم مختلطين مؤمنهم ومشركهم ثم هاجر المؤمنون فبقيت مكة دار شرك وتمحض من علم الله أنهم لا يؤمنون فأرسل الله عليهم عباده المؤمنين فاستأصلوهم فوجا بعد فوج في يوم بدر وما بعده من أيام الإسلام إلى أن تم استئصال أهل الشرك بقتل بقية من قتل منهم في غزوة الفتح مقل عبد الله بن خطل ومن قتل معه فلما فتحت مكة دان العرب للإسلام وانقرض أهل الشرك ولم تقم للشرك قائمة بعد ذلك وأظهر الله عنايته بالأمة العربية إذ كانت من أول دعوة الرسول غير متمحضة للشرك بل كان فيها مسلمون من أول يوم الدعوة ومازالوا يتزايدون .
وليس المراد في الآية بأجل الأمة أجل أفرادها وهو مدة حياة كل واحد منها لأنه لا علاقة له بالسياق ولأن إسناده إلى الأمة يعين أنه أجل مجموعها لا أفرادها ولو أريد آجال الأفراد لقال لكل أحد أو لكل حي أجل .
A E