و ( إذا ) ظرف زمان للمستقبل في الغالب وتتضمن معنى الشرط غالبا لأن معاني الظروف قريبة من معاني الشرط لما فيها من التعليق وقد استغني بفاء تفريع عامل الظرف عنا عن الإتيان بالفاء في جواب ( إذا ) لظهور معنى الربط والتعليق بمجموع الظرفية والتفريع والمفرع هو : ( جاء أجلهم ) وإنما قدم الظرف على عامله للاهتمام به ليتأكد بذلك التقديم معنى التعليق .
والمجيء مجاز في الحلول المقدر له كقولهم جاء الشتاء .
وإفراد الأجل في قوله : ( إذا جاء أجلهم ) مراعى فيه الجنس الصادق بالكثير بقرينة إضافته إلى ضمير الجمع .
وأظهر لفظ أجل في قوله : ( إذا جاء أجلهم ) ولم يكتف بضميره لزيادة تقرير الحكم عليه ولتكون هذه الجملة مستقلة بنفسها غير متوقفة على سماع غيرها لأنها بحيث تجري مجرى المثل وإرسال الكلام الصالح لأن يكون مثلا طريق من طرق البلاغة .
و ( يستأخرون ) و ( يستقدمون ) بمعنى : يتأخرون ويتقدمون فالسين والتاء فيهما للتأكيد مثل استجاب .
والمعنى : إنهم لا يتجاوزونه بتأخير ولا يتعجلونه بتقديم والمقصود أنهم لا يؤخرون عنه فعطف ( ولا يستقدمون ) تتميم لبيان أن ما علمه الله وقدره على وفق علمه لا يقدر أحد على تغييره وصرفه فكان قوله : ( ولا يستقدمون ) لا تعلق له بغرض التهديد وقريب من هذا قول أبي الشيص : .
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... مستأخر عنه ولا متقدم وكل ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التخلص من وعيد أو نحوه بهيئة من احتبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء .
( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 35 ] والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 36 ] ) يجيء في موقع هذه الجملة : من التأويل ما تقدم من القول في نظرتها وهي قوله تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ) .
والتأويل الذي استظهرنا به هنالك يبدو في هذه النظيرة الرابعة أوضح وصيغة الجمع في قوله : ( رسل ) وقوله ( يقصون ) تقتضي توقع مجيء عدة رسل وذلك منتف بعد بعثة الرسول الخاتم للرسل الحاشر العاقب A فذلك يتأكد أن يكون هذا الخطاب لبني آدم الحاضرين وقت نزول القرآن ويرجح أن تكون هذه الندآت الأربعة حكاية لقول موجه إلى بني آدم الأولين الذي أوله : ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) .
قال ابن عطية : " وكأن هذا خطاب لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم ومتحصل منه لحاضري محمد A أن هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه " يريد أن الله أبلغ الناس هذا الخطاب على لسان كل نبي من آدم إلى هلم جرا فما من نبي أو رسول إلا وبلغه أمته وأمرهم بأن يبلغ الشاهد منهم الغائب حتى نزل في القرآن على محمد A فعلمت أمته أنها مشمولة في عموم بني آدم .
وإذا كان ذلك متعينا في هذه الآية أو كالمتعين تعين اعتبار مثله في نظائرها الثلاث الماضية فشد به يدك ولا تعبأ بمن جردك .
فأما إذا جعل الخطاب في هذه الآية موجها إلى المشركين في زمن النزول بعنوان كونهم من بني آدم فهنالك يتعين صرف معنى الشرط إلى ما يأتي من الزمان بعد نزول الآية لأن الشرط يقتضي الاستقبال غالبا كأنه قيل إن فاتكم اتباع ما أنزل إليكم فيما مضى لا يفتكم فيما بقي ويتعين تأويل يأتينكم بمعنى يدعونكم ويتعين جعل جمع الرسل على إرادة رسول واحد تعظيما له كما في قوله تعالى : ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ) أي كذبوا رسوله نوحا وقوله : ( كذبت قوم نوح المرسلين ) وله نظائر كثيرة في القرآن .
وهذه الآية والتي بعدها متصلتا المعنى بمضمون قوله تعالى في أول السورة : ( وكم من قرية أهلكناها ) الآية اتصال التفصيل بإجماله .
A E