أكد به تحذيرهم من كيد الشيطان وفتونه وأراهم به مناهج الرشد التي تعين على تجنب كيده بدعوة الرسل إياهم إلى التقوى والإصلاح كما أشار إليه بقوله في الخطاب السابق : ( يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) وأنبأهم بأن الشيطان توعد نوع الإنسان فيما حكى الله من قوله : ( قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الآية فلذلك حذر الله بني آدم من كيد الشيطان وأشعرهم بقوة الشيطان بقوله : ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) عسى أن يتخذوا العدة للنجاة من مخالب فتنته وأردف ذلك بالتحذير من حزبه ودعاته الذين يفتنون المؤمنين ثم عزز ذلك بإعلامه إياهم أنه أعانهم على الاحتراز من الشيطان بأن يبعث إليهم قوما من حزب الله يبلغونهم عن الله ما فيه منجاة لهم من كيد الشياطين بقوله : ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) الآية فأوصاهم بتصديقهم والامتثال لهم .
و ( أما ) مركبة من ( إن ) الشرطية و ( ما ) الزائدة المؤكدة لمعنى الشرطية واصطلح أئمة رسم الخط على كتابتها في صورة كلمة واحدة رعيا لحالة النطق بها بإدغام النون في الميم والأظهر أنها تقيد مع التأكيد عموم الشرط مثل أخواتها " مهما " و " أيتها " فإذا اقترنت بإن الشرطية اقترنت نون التوكيد بفعل الشرط كقوله تعالى : ( فإما ترين من البشر أحدا فقولي ) سورة مريم لأن التوكيد الشرطي يشبه القسم وهذا الاقتران بالنون غالب ولأنها لما وقعت توكيدا للشرط تنزلت من أداة الشرط منزلة جزء الكلمة .
وقوله : ( منكم ) أي من بني آدم وهذا تنبيه لبني آدم بأنهم لا يترقبون أن تجيئهم رسل الله من الملائكة لأن للمرسل يكون من جنس من أرسل إليهم وفي هذا تعريض بالجهلة من الأمم الذين أنكروا رسالة الرسل لأنهم من جنسهم مثل قوم نوح إذ قالوا : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) ومثل المشركين من أهل مكة إذ كذبوا رسالة محمد A بأنه بشر قال تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) .
ومعنى ( يقصون عليكم آياتي ) يتلونها ويحكونها ويجوز أن يكون بمعنى يتبعون الآية بأخرى ويجوز أن يكون بمعنى يظهرون وكلها معان مجازية للقص لأن حقيقة القص هي أن أصل القصص إتباع الحديث من اقتصاص آثر الأرجل واتباعه لتعرف جهة الماشي فعلى المعنى الأول فهو كقوله في الآية الأخرى : ( ألم يأتكم رسل منهم يتلون عليكم آيات ربكم ) وأيا ما كان فهو محتمل للحمل على جميعها من استعمال اللفظ في مجازيه . الآية أصلها العلامة الدالة على شيء من قول أو فعل وآيات الله الدلائل التي جعلها دالة على وجوده أو على صفاته أو على صدق رسله كما تقدم عند قوله تعالى : ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) في سورة البقرة وقوله تعالى : ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ) في سورة الأنعام ومنه آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للناس للتعريض بالمشركين من العرب الذين أنكروا رسالة محمد A ووجه دلالة الآيات على ذلك إما لأنها جاءت على نظم يعجز البشر عن تأليف مثله وذلك من خصائص القرآن وإما لأنها تشتمل على أحكام ومعان لا قبل لغير الله ورسوله بإدراك مثلها أو لأنها تدعو إلى صلاح لم يعهده الناس فيدل ما اشتملت عليه على أنه مما أراده الله للناس مثل بقية الكتب التي جاءت بها الرسل وإما لأنها قارنتها أمور خارقة للعادة تحدى بها الرسول المرسل بتلك الأقوال أمته فهذا معنى تسميتها آيات ومعنى إضافتها إلى الله تعالى ويجوز أن يكون المراد بالآيات ما يشمل المعجزات غير القولية مثل نبع الماء من بين أصابع محمد A ومثل قلب العصا حية لموسى " عليه السلام " وإبراء الأكمة لعيسى " عليه السلام " ومعنى التكذيب بها العناد بإنكارها وجحدها .
A E