وجملة : ( حتى إذا جاءتهم رسلنا ) تفصيل لمضمون جملة ( ينالهم نصيبهم من الكتاب ) . فالوقت الذي أفاده قوله : ( إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) هو مبدأ وصف نصيبهم من الكتاب حين ينقطع عنهم الإمهال الذي لقوه في الدنيا .
A E و ( حتى ) ابتدائية لأن الواقع بعدها جملة فتفيد السببية فالمعنى : ف ( إذا جاءتهم رسلنا ) الخ و ( حتى ) الابتدائية لها صدر الكلام فالغاية التي تدل عليها هي غاية ما يخبر به المخبر وليست غاية ما يبلغ إليه المعطوف عليه بحتى لأن ذلك إنما يلتزم إذا كانت حتى عاطفة ولا تفيد إلا السببية كما قال ابن الحاجب فهي لا تفيد أكثر من تسبب ما قبلها فيما بعدها قال الرضي ؛ قال المصنف : وإنما وجب مع الرفع السببية لأن الاتصال اللفظي لما زال بسبب الاستئناف شرط السببية التي هي موجبة للاتصال المعنوي جبرا لما فات من الاتصال اللفظي قال عمرو ابن شأس : .
نذود الملوك عنكم وتذودنا ... ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا وقد تقدم بعض هذا عند قوله تعالى : ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة ) في سورة الأنعام و ( حتى ) الابتدائية تدل على أن مضمون الكلام الذي بعدها أهم بالاعتناء للإلقاء عند المتكلم لأنه أجدى في الغرض المسوق له الكلام وهذا الكلام الواقع هنا بعد ( حتى ) فيه تهويل ما يصيبهم عند قبض أرواحهم وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم من الوعيد المتعارف وقد هدد القرآن المشركين بشدائد الموت عليهم في آيات كثيرة لأنهم كانوا يرهبونه والرسل هم الملائكة قال تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت ) وقال ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ) .
وجملة : ( يتوفونهم ) في موضع الحال من ( رسلنا ) وهي حال معللة لعاملها كقوله : ( ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ) أي رسول لأبلغكم ولأنصح لكم .
والتوفي نزع الروح من الجسد وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) في سورة آل عمران وهو المراد هنا ولا جدوى في حمله على غير هذا المعنى مما تردد فيه المفسرون إلا أن المحافظة على معنى الغاية لحرف ( حتى ) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد منه وقت أن يتووهم جميعا إن كان المراد بالنصيب من الكتاب الاستئصال أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمة الشرك .
ويجوز أن يكون المراد حين يتوفون آحادهم في أوقات متفرقة إن كان المراد بالنصيب من الكتاب وعيد العذاب وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمع والمراد منه التوزيع أي قال كل ملك لمن وكل بتوفيه على طريقة : ركب القوم دوابهم . وقد حكي كلام الرسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة المحاورة لأن وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد .
والاستفهام في قوله : ( أين ما كنتم تدعون من دون الله ) مستعمل في التهكم والتأييس .
و ( ما ) الواقعة بعد أين موصولة يعني : أين آلهتكم التي كنتم تزعمون أنهم ينفعونكم عند الشدائد ويردون عنكم العذاب فإنهم لم يحضروكم وذلك حين يشهدون العذاب عند قبض أرواحهم فقد جاء في حديث الموطأ : أن الميت يرى مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله .
وهذا خطاب للأرواح التي بها الإدراك وهو قبل فتنة القبر .
وقولهم : ( ضلوا عنا ) أي أتلفوا مواقعنا وأضاعونا فلم يحضروا وهذا يقتضي أنهم لما يعلموا أنهم لا يغنون عنهم شيئا من النفع فظنوا أنهم أذهنهم ما أذهنهم وأبعدهم عنهم ما أبعدهم ولم يعلموا سببه لأن ذلك إنما يتبين لهم يوم الحشر حين يرون إهانة أصنامهم وتعذيب كبرائهم ولذلك لم ينكروا في جوابهم أنهم كانوا يدعونهم من دون الله بخرف ما حكي عنهم في يوم الحشر من قولهم : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) . ولذلك قال هنا : ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) وقال في الأخرى : ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) .
والشهادة هنا شهادة ضمنيه لأنهم لما لم ينفوا أن يكونوا يدعون من دون الله وأجابوا بأنهم ضلوا عنهم قد اعترفوا بأنهم عبدوهم .
A E