A E استئناف ابتدائي مسوق لتحقيق خلود الفريقين في النار الواقع في قوله : ( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) فأخبر الله بأنه حرمهم أسباب النجاة فسد عليهم أبواب الخير والصلاح وبأنه حرمهم من دخول الجنة .
وأكد الخبر ب ( إن ) لتأييسهم من دخول الجنة لدفع توهم أن يكون المراد من الخلود المتقدم ذكره الكناية عن طول مدة البقاء في النار فإنه ورد في مواضع كثيرة مرادا به هذا المعنى .
ووقع الإظهار في مقام الإضمار لدفع احتمال أن يكون الضمير عائدا إلى إحدى الطائفتين المتحاورتين في النار واختير من طرق الإظهار طريق التعريف بالموصول إيذانا بما تومئ إليه الصلة من وجه بناء الخبر أي : إن ذلك لأجل تكذيبهم بآيات الله واستكبارهم عنها كما تقدم في نظيرها السابق آنفا .
والسماء أطلقت في القرآن على معان والأكثر أن يراد بها العوالم العليا غير الأرضية فالسماء مجموع العوالم العليا وهي مراتب وفيها عوالم القدس الإلهية من الملائكة والروحانيات الصالحة النافعة ومصدر إفاضة الخيرات الروحية والجثمانية على العالم الأرضي ومصدر المقادير المقدرة قال تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فالسماء هنا مراد بها عالم القدس .
وأبواب السماء أسباب أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب لتقريب حقائقها إلى الأذهان فمنها قبول الأعمال ومسالك وصول الأمور الخيرية الصادرة من أهل الأرض وطرق قبولها وهو تمثيل لأسباب التزكية قال تعالى : ( والعمل الصالح يرفعه ) وما يعلم حقائقها بالتفصيل إلا الله تعالى لأنها محجوبة عنا فكما أن العفاة والشفعاء إذا وردوا المكان قد يقبلون ويرضى عنهم فتفتح لهم أبواب القصور والقباب ويدخلون مكرمين وقد يردون ويسخطون فتوصد في وجوههم الأبواب مثل إقصاء المكذبين المستكبرين وعدم الرضا عنهم في سائر الأحوال بحال من لا تفتح له أبواب المنازل وأضيفت الأبواب إلى السماء ليظهر أن هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات الإلهية الروحية فيشمل ذلك عدم استجابة الدعاء وعدم قبول الأعمال والعبادات وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنة ومقاعد المؤمنين منها . فقوله : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) كلمة جامعة لمعنى الحرمان من الخبرات الإلهية المحضة وإن كانوا ينالون من نعم الله الجثمانية ما يناله غيرهم فيغاثون بالمطر ويأتيهم الرزق من الله وهذا بيان لحال خذلانهم في الدنيا الحائل بينهم وبين وسائل دخول الجنة كما قال النبي A : ( كل ميسر لما خلق له ) وقال تعالى : ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) .
وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب : ( لا تفتح ) " بضم التاء الأولى وفتح الفاء والتاء الثانية مشددة " وهو مبالغة في فتح فيفيد تحقيق نفي الفتح لهم . أو أشير بتلك المبالغة إلى أن المنفي فتح مخصوص وهو الفتح الذي يفتح للمؤمنين وهو فتح قوي فتكون تلك الإشارة زيادة في نكايتهم .
وقرأ أبو عمرو " بضم التاء الأولى وسكون الفاء وفتح التاء الثانية مخففة " . وقرأ جمزة والكسائي وخلف ( لا يفتح ) " بمثناة تحتية في أوله مع تخفيف المثناة الفوقية مفتوحة " على اعتبار تذكير الفعل لأجل كون الفاعل جمعا لمذكر .
وقوله : ( ولا يدخلون الجنة ) إخبار عن حالهم في الآخرة وتحقيق لخلودهم في النار .
وبعد أن حقق ذلك بتأكيد الخبر كله بحرف التوكيد زيد تأكيدا بطريق تأكيد الشيء بما يشبه ضده المشتهر عند أهل البيان بتأكيد المدح بما يشبه الذم وذلك بقوله تعالى : ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) فقد جعل لانتفاء دخولهم الجنة امتدادا مستمرا إذ جعل غايته شيئا مستحيلا وهو أن يلج الجمل في سم الخياط أي لو كانت لانتفاء دخولهم الجنة غاية لكانت غايته ولوج الجمل " وهو البعير " في سم الخياط وهو أمر لا يكون أبدا .
A E