وجملة ( وما كنا لنهتدي ) في موضع الحال من الضمير المنصوب أي هدانا في هذا الحال حال بعدنا عن الاهتداء وذلك مما يؤذن بكبر منة الله تعالى عليهم وبتعظيم حمدهم وتجزيله ولذلك جاءوا بجملة الحمد مشتملة على أقصى ما تشتمل عليه من الخصائص التي تقدم بيانها في سورة الفاتحة .
ودل قوله : ( وما كنا لنهتدي ) على بعد حالهم السالفة عن الاهتداء كما أفاده نفي الكون مع لام الجحود حسبما تقدم عند قوله تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ) الآية في سورة آل عمران فإنهم كانوا منغمسين في ضلالات قديمة قد رسخت في أنفسهم فأما قادتهم فقد زينها الشيطان لهم حتى اعتقدوها وسنوها لمن بعدهم وأما دهماؤهم وأخلافهم فقد رأوا قدوتهم على تلك الضلالات وتأصلت فيهم فما كان من السهل اهتداؤهم لولا أن هداهم الله ببعثة الرسل وسياستهم في دعوتهم وأن قذف في قلوبهم قبول الدعوة .
ولذلك عقبوا تحميدهم وثناءهم على الله بقولهم : ( لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) فتلك جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لصدروها عن ابتهاج نفوسهم واغتباطهم بما جاءتهم به الرسل فجعلوا يتذكرون أسباب هدايتهم ويعتبرون بذلك ويغتبطون تلذذا بالتكلم به لأن تذكر الأمر المحبوب والحديث عنه مما تلذ به النفوس مع قصد الثناء على الرسل .
وتأكيد الفعل بلام القسم وبقد مع أنهم غير منكرين لمجيء الرسل : إما لأنه كناية عن الإعجاب بمطابقة ما وعدهم به الرسل من النعيم لما وجدوه مثل قوله تعالى : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) وقول النبي A قال الله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وإما لأنهم أرادوا بقولهم هذا الثناء على الرسل والشهادة بصدقهم جمعا مع الثناء على الله فأتوا بالخبر في صورة الشهادة المؤكدة التي لا تردد فيها .
وقرأ ابن عامر : ( ما كنا لنهتدي ) " بدون واو قبل ( ما ) وكذلك كتبت في المصحف الإمام الموجه إلى الشام وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة مفصولة عن التي قبلها على اعتبار كونها كالتعليل للحمد والتنويه بأنه حمد عظيم على نعمة عظيمة كما تقدم بيانه .
وجملة : ( ونودوا ) معطوفة على جملة : ( وقالوا ) فتكون حالا أيضا لأن هذا النداء جواب لثنائهم يدل على قبول ما أثنوا به وعلى رضى الله عنهم والنداء من قبل الله ولذلك بني فعله إلى المجهول لظهور المقصود والنداء إعلان الخطاب وهو أصل حقيقته في اللغة ويطلق النداء غالبا على دعاء أحد ليقبل بذاته أو بفهمه لسماع كلام ولو لم يكن برفع صوت : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) ولهذا المعنى حروف خاصة تدل عليه في العربية . وتقدم عند قوله تعالى : ( وناداهما ربهما ) في هذه السورة .
و ( أن ) تفسير ل ( نودوا ) لأن النداء فيه معنى القول . والإشارة إلى الجنة ب ( تلكم ) الذي حقه أن يستعمل في المشار إليه البعيد مع أن الجنة حاضرة بين يديهم لقصد رفعة شانها وتعظيم المنة بها .
والإرث حقيقته مصير مال الميت إلى أقرب الناس إليه ويقال : أورث الميت أقرباءه ماله بمعنى جعلهم يرثونه عنه لأنه لما لم يصرفه عنهم بالوصية لغيره فقد تركه لهم ويطلق مجازا على مضير شيء إلى حد بدون عوض ولا غصب تشبيها بإرث الميت فمعنى قوله : ( أورثتموها ) أعطيتموها عطية هنيئة لا تعب فيها ولا منازعة .
والباء في قوله : ( بما كنتم تعملون ) سببية أي بسبب أعمالكم وهي الإيمان والعمل الصالح وهذا الكلام ثناء عليهم بأن الله شكر لهم أعمالهم فأعطاهم هذا النعيم الخالد لأجل أعمالهم وأنهم لما عملوا ما علوه من العمل ما كانوا ينوون بعملهم إلا السلامة من غضب ربهم وتطلب مرضاته شكرا له على نعمائه وما كانوا يمتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما قالوه وذلك لا ينافي الطمع في ثوابه والنجاة من عقابه وقد دل على ذلك الجمع بين ( أورثتموها ) وبين باء السببية .
A E