فالإيراث دل على أنها عطية بدون قصد تعاوض ولا تعاقد وأنها فضل محض من الله تعالى لأن إيمان العبد بربه وطاعته إياه لا يوجب عقلا ولا عدلا إلا نجاته من العقاب الذي من شانه أن يترتب على الكفران والعصيان وإلا حصول رضى ربه عنه ولا يوجب جزاء ولا عطاء لأن شكر المنعم واجب فهذا الجزاء وعظمته مجرد فضل من الرب على عبده شكرا لإيمانه به وطاعته ولكن لما كان سبب هذا الشكر عند الرب الشاكر هو عمل عبده بما أمره به وقد تفضل الله به فوعد به من قبل حصوله فمن العجب قول المنعزلة بوجوب الثواب عقلا ولعلهم أوقعهم فيه اشتباه حصول الثواب بالسلامة من العقاب مع أن الواسطة بين الحالين بينه لأولي الألباب وهذا أحسن مما يطيل به أصحابنا معهم في الجواب .
وباء السببية اقتضت الذي أعطاهم منازل الجنة أراد به شكر أعمالهم وثوابها من غير قصد تعاوض ولا تقابل فجعلها كالشيء الذي استحقه العامل عوضا عن عمله فاستعار لها باء السببية .
( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين [ 44 ] الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون [ 45 ] ) جملة ( ونادى أصحاب الجنة ) يجوز أن تكون معطوفة على جملة ( وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ) إلخ عطف القول على القول إذ حكي قولهم المنبئ عن بهجتهم بما هم فيه من النعيم ثم حكي ما يقولونه لأهل النار حينما يشاهدونهم .
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ) عطف القصة على القصة بمناسبة الانتقال من ذكر نداء من قبل الله إلى ذكر مناداة أهل الآخرة بعضهم بعضا فعلى الوجهين يكون التعبير عنهم بأصحاب الجنة دون ضميرهم توطئة لذكر نداء أصحاب الأعراف ونداء أصحاب النار ليعبر عن كل فريق بعنوانه وليكون منه محسن الطباق في مقابلته بقوله : ( أصحاب النار ) وهذا النداء خطاب من أصحاب الجنة عبر عنه بالنداء كناية عن بلوغه إلى أسماع أصحاب النار من مسافة سحيقة البعد فإن سعة الجنة وسعة النار تقتضيان ذلك لا سيما مع قوله ( وبينهما حجاب ) ووسيلة بلوغ هذا الخطاب من الجنة إلى أصحاب النار وسيلة عجيبة غير متعارفة .
وعلم الله وقدرته لا حد لمتعلقاتهما .
و ( أن ) في قوله ( أن قد وجدنا ) تفسيرية للنداء .
والخبر الذي هو ( قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ) مستعمل في لازم معناه وهو الاعتباط بحالهم وتنغيص أعدائهم بعلمهم برفاهية حالهم والتورك على الأعداء إذ كانوا يحسبونهم قد ضلوا حين فارقوا دين آبائهم وأنهم حرموا أنفسهم طيبات الدنيا بالانكفاف عن المعاصي وهذه معان متعددة كلها من لوازم الإخبار والمعاني الكنائية لا يمتنع تعددها لأنها تبع للوازم العقلية وهذه الكناية جمع فيها بين المعنى الصريح والمعاني الكنائية ولكن المعاني الكنائية هي المقصودة إذ ليس القصد أن يعلم أهل النار بما حصل لأهل الجنة ولكن القصد ما يلزم عن ذلك . وأما المعاني الصريحة فمدلوله بالأصالة عند عدم القرينة المانعة .
والاستفهام في جملة ( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ) مستعمل مجازا مرسلا بعلاقة للزوم في توقيف المخاطبين على غلطهم وإثارة ندامتهم وغمهم على ما فرط منهم والشماتة بهم في عواقب عنادهم . والمعاني المجازية التي علاقتها اللزوم يجوز تعددها مثل الكناية وقرينة المجاز هي : ظهور أن أصحاب الجنة يعلمون أن أصحاب النار وجدوا وعده حقا .
والوجدان : إلقاء الشيء ولقيه قال تعالى ( فوجد فيها رجلين يقتتلان ) وفعله يتعدى إلى مفعول واحد قال تعالى ( ووجد الله عنده ) ويغلب أن يذكر مع المفعول حاله فقوله ( وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ) معناه ألقيناه حال كونه حقا لا تخلف في شيء منه فلا يدل قوله ( وجدنا ) على سبق بحث أو تطلب للمطابقة كما قد يتوهم وقد يستعمل الوجدان في الإدراك والظن مجازا وهو مجاز شائع .
A E