والتعبير عنهم بالظالمين تعريف لهم بوصف جرى مجرى اللقب تعرف به جماعتهم كما يقال : المؤمنين لأهل الإسلام فلا ينافي أنهم حين وصفوا به لم يكونوا ظالمين لأنهم قد علموا بطلان الشرك حق العلم وشأن اسم الفاعل أن يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال ولا يكون للماضي وأما إجراء الصلة عليهم بالفعلين المضارعين في قوله ( يصدون ) وقوله ( ويبغونها ) وشان المضارع الدلالة على حدث حاصل في زمن الحال وهم في زمن التأذين لم يكونوا متصفين بالصد عن سبيل الله ولا ببغي عوج السبيل فذلك لقصد ما يفيده المضارع من تكرر حصول الفعل تبعا لمعنى التجدد والمعنى وصفهم بتكرر ذلك منهم في الزمن الماضي وهو معنى قول علماء المعاني استحضار الحالة كقوله تعالى في الحكاية عن نوح : ( ويصنع الفلك ) مع أن زمن صنع الفلك مضى وإنما قصد استحضار حالة التجدد وكذلك وصفهم باسم الفاعل في قوله ( وهم بالآخرة كافرون ) فإن حقه الدلالة على زمن الحال . وقد استعمل هنا في الماضي : أي كافرون بالآخرة فيما مضى من حياتهم الدنيا وكل ذلك اعتماد على قرينة حال السامعين المانعة من إرادة المعنى الحقيقي من صيغة المضارع وصيغة اسم الفاعل إذ قد علم كل سامع أن المقصودين صاروا غير متلبسين بتلك الأحداث في وقت التأذين بل تلبسوا بنقائضها فإنهم حينئذ قد علموا الحق وشاهدوه كما دل عليه قولهم ( نعم ) . وإنما عرفوا بتلك الأحوال الماضية لأن النفوس البشرية تعرف بالأحوال التي كانت متلبسة بها في مدة الحياة الأولى فبالموت تنتهي أحوال الإنسان فيستقر اتصاف نفسه بما عاشت عليه وفي الحديث : " يبعث كل عبد على ما مات عليه " رواه مسلم ويجوز أن تكون هذه اللعنة كانت الملائكة يلعنونها بها في الدنيا فجهروا بها في الآخرة لأنها صارت كالشعار للكفرة ينادون بها وهذا كما جاء في الحديث : " يؤنى بالمؤذنين يوم القيامة يصرخون بالأذان " مع أن في ألفاظ الأذان ما لا يقصد معناه يومئذ وهو : ( حي على الصلاة حي على الفلاح ) وفي حكاية ذلك هنا إعلام لأصحاب هذه الصفات في الدنيا بأنهم محقوقون بلعنة الله تعالى .
والمراد بالظالمين : المشركون وبالصد عن سبيل الله : إما تعرض المشركين للراغبين في الإسلام بالأذى والصرف عن الدخول في الدين بوجوه مختلفة وسبيل الله ما به الوصول إلى مرضاته وهو الإسلام فيكون الصد مرادا به المتعدي إلى المفعول وإما إعراضهم عن سماع دعوة الإسلام وسماع القرآن فيكون الصد مرادا به القاصر الذي قيل : إن مضارعة بكسر الصاد أو إن حق مضارعة كسر الصاد . إذ قيل لم يسمع مكسور الصاد . وإن كان القياس كسر الصاد في اللازم وضمها في المتعدي .
والضمير المؤنث في قوله : ( ويبغونها ) عائد إلى ( سبيل الله ) لأن السبيل يذكر ويؤنث قال تعالى : ( قل هذه سبيلي ) وقال : ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ) .
والعوج : ضد الاستقامة وهو بفتح العين في الأجسام وبكسر العين في المعاني وأصله أن يجوز فيه الفتح والكسر ولكن الاستعمال خصص الحقيقة بأحد الوجهين والمجاز بالوجه الآخر وذلك من محاسن الاستعمال فالإخبار عن السبيل ب ( عوج ) إخبار بالمصدر للمبالغة أي ويرومون ويحاولون إظهار هذه السبيل عوجاء أي يختلقون لها نقائص يموهونها على الناس تنفيرا عن الإسلام كقولهم ( هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفتري على الله كذبا أم به جنة ) وتقدم تفسيره عند قوله تعالى ( يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ) في سورة آل عمران .
وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسمية في قوله : ( وهم بالآخرة كافرون ) للدلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكنه منهم لأن الكفر من الاعتقادات العقلية التي لا يناسبها التكرر فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصد عن سبيل الله وبغي إظهار العوج فيها لأن ذينك من الأفعال القابلة للتكير بخلاف الكفر فإنه ليس من الأفعال ولكنه من الانفعالات ونظير ذلك قوله تعالى ( يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ) .
A E