( وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون [ 46 ] وإذا صرفت أبصارهم تلقى أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين [ 47 ] ) تقديم ( وبينهما ) وهو خبر على المبتدإ للاهتمام بالمكان المتوسط بين الجنة والنار وما ذكر من شأنه . وبهذا التقديم صح تصحيح الابتداء بالنكرة والتنكير للتعظيم .
وضمير ( بينهما ) يعود إلى لفظي الجنة والنار الواقعين في قوله ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) . وهما اسما مكان فيصلح اعتبار التوسط بينهما . وجعل الحجاب فصلا بينهما وتثنية الضمير تعين هذا المعنى ولو أريد من الضمير فريقا أهل الجنة وأهل النار لقال : بينهم . كما قال في سورة الحديد ( فضرب بينهم بسور ) الآية .
والحجاب سور ضرب فاصلا بين مكان الجنة ومكان جهنم وقد سماه القرآن سورا في قوله ( فضرب بينهم بسور له باب ) في سورة الحديد وسمي السور حجابا لأنه يقصد منه الحجب والمنع كما سمي سورا باعتبار الإحاطة .
والأعراف : جمع عرف " بضم العين وسكون الراء وقد تضم الراء أيضا " وهو أعلى الشيء ومنه سمي عرف الفرس الشعر الذي في أعلى رقبته وسمي عرف الديك . الريش الذي في أعلى رأسه .
و ( أل ) في الأعراف للعهد وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في أعالي السور ليرقب منها النضارة حركات العد وليشعروا به إذا داهمهم . ولم يسبق ذكر للأعراف هنا حتى تعرف بلام العهد فتعين أنها ما يعهده الناس في الأسوار أو يجعل ( أل ) عوضا عن المضاف إليه : أي وعلى أعراف السور وهما وجهان في نظائر هذا التعريف كقوله تعالى ( فإن الجنة هي المأوى ) وأيا ما كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد من الأعراف مكانا مخصوصا يتعرف منه أهل الجنة وأهل النار إذ لا وجه حينئذ لتعريفه مع عدم سبق الحديث عنه .
وتقديم الجار والمجرور لتصحيح الابتداء بالنكرة إذ اقتضى المقام الحديث عن رجال مجهولين يكونون على أعراف هذا الحجاب . قبل أن يدخلوا الجنة فيشهدون هنالك أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار ويعرفون رجالا من أهل النار كانوا من أهل العزة والكبرياء في الدنيا وكانوا يكذبون وعد الله المؤمنين بالجنة . وليس تخصيص الرجال بالذكر بمقتض أن ليس في أهل الأعراف نساء ولا اختصاص هؤلاء الرجال المتحدث عنهم بذلك المكان دون سواهم من الرجال ولكن هؤلاء رجال يقع لهم هذا الخبر فذكروا هنا للاعتبار على وجه المصادفة لا لقصد تقسيم أهل الآخرة وأمكنتهم ولعل توهم أن تخصيص الرجال بالذكر لقصد التقسيم قد أوقع بعض المفسرين في حيرة لتطلب المعنى لأن ذلك يقتضي أن يكون أهل الأعراف قد استحقوا ذلك المكان لأجل حالة لاحظ للنساء فيها فبعضهم حمل الرجال على الحقيقة فتطلب عملا يعمله الرجال لاحظ للنساء فيه في الإسلام وليس إلا الجهاد فقال بعض المفسرين : هؤلاء قوم جاهدوا وكانوا عاصين لآبائهم وبعض المفسرين حمل الرجال على المجاز بمعنى الأشخاص من الملائكة أطلق عليهم الرجال لأنهم ليسوا إناثا كما أطلق على أشخاص الجن في قوله تعالى ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ) فيظهر وجه لتخصيص الرجال بالذكر تبعا لما في بعض تلك الأحاديث التي أشرنا إليها .
وأما ما نقل عن بعض السلف أن أهل الأعراف هم قوم استوت موازين حسناتهم مع موازين سيئاتهم ويكون إطلاق الرجال عليهم تغليبا لأنه لابد أن يكون فيهم نساء ويروى فيه أخبار مسندة إلى النبي A لم تبلغ مبلغ الصحيح ولم تنزل إلى رتبة الضعيف : روى بعضها ابن ماجة وبعضها ابن مردويه وبعضها الطبري فإذا صحت فإن المراد منها أن من كانت تلك حالتهم يكونون من جملة أهل الأعراف المخبر عنهم في القرآن بأنهم لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون وليس المراد منها أنهم المقصود من هذه الآية كما لا يخفى على المتأمل فيها .
A E