وقرأ ( الجمهور ) الرياح " بصيغة الجمع " وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف : الريح " بصيغة المفرد " باعتبار الجنس فهو مساو لقراءة الجمع قال ابن عطية : " من قرأ بصيغة الجمع فقراءته أسعد لأن الرياح حيثما وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرحمة كقوله ( وأرسلنا الرياح لواقح ) وأكثر ذكر الريح المفردة أن تكون مقترنة بالعذاب كقوله ( ريح فيها عذاب أليم ) ونحو ذلك . ومن قرأ بالإفراد فتقييدها بالنشر يزيل الاشتراك أي الإيهام . والتحقيق أن التعبير بصيغة الجمع قد يراد به تعدد المهاب أو حصول الفترات في الهبوب وأن الإفراد قد يراد به أنها مدفوعة دفعة واحدة قوية لا فترة بين هباتها .
وقوله ( نشرا ) قرأه نافع وأبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر : نشرا " بضم النون والشين " على أنه جمع نشور " بفتح النون " كرسول ورسل وهو فعول بمعنى فاعل والنشور الريح الحية الطيبة لآنها تنشر السحاب أي تبثه وتكثره في الجو كالشيء المنشور ويجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول أي منشورة أي مبثوثة في الجهات متفرقة فيها لأن النشر هو التفريق في جهات كثيرة ومعنى ذلك أن ريح المطر تكون لينة تجيء مرة من الجنوب ومرة من الشمال وتتفرق في الجهات حتى ينشأ بها السحاب ويتعدد سحابات مبثوثة كما قال الكميت في السحاب : .
مرته الجنوب بأنفاسها ... وحلت عزاليه الشمأل A E ومن أجل ذلك عبر عنها بصيغة الجمع لتعدد مهابها ولذلك لم تجمع فيما لا يحمد فيه تعود المهاب كقوله ( وجرين بهم بريح طيبة ) من حيث جري السفن إنما جيده بريح متصلة .
وقرأه ابن عامر ( نشرا ) " بضم النون وسكون الشين " وهو تخفيف نشر " الذي هو بضمتين " كما يقال : رسل في رسل . وقرأ حمزة والكسائي وخلف " بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وانتصب إما على المفعولية المطلقة لأنه مرادف ل ( أرسل ) بمعناه المجازي أي أرسلها إرسالا أو نشرها نشرا وإما على الحال من الريح أي ناشرة أي السحاب أو من الضمير في ( أرسل ) أي أرسلها ناشرا أي محييا بها الأرض الميتة أي محييا بآثارها وهي الأمطار .
وقرأه عاصم بالباء الموحدة في موضع النون مضمومة وبسكون الشين ولا لتنوين وهو تخفيف بشرا بضمها على أنه جمع بشير نذر ونذير أي مبشرة للناس باقتراب الغيث .
فحصل من مجموع هذه القراءات أن الرياح تنشر السحاب وأنها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنها تحيي الأرض بعد موتها وأنها تبشر الناس بهبوبها فيدخل عليهم بها سرورا .
وأصل معنى قولهم : بين يدي فلان انه يكون أمامه بقرب منه " ولذلك قوبل بالخلف في قوله تعالى ( يعلم ما بين أيدبهم وما خلفهم ) فقصد قائلة الكناية عن الأمام وليس صريحا حيث إن الأمام القريب أوسع من الكون بين اليدين ثم لشهرة هذه الكناية وأغلبية موافقتها للمعنى الصريح جعلت كالصريح وساغ أن تستعمل مجازا في التقدم والسبق القريب كقوله تعالى ( إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) وفي تقدم شئ على شئ مع قربه منه من غير أن يكون أمامه ومن غير أن يكون للمتقدم عليه يدان وهكذا استعماله في هذه الآية أي يرسل الرياح سابقة رحمته