والنصح والنصيحة كلمة جامعة يعبر بها عن حسن النية وإرادة الخير من قول أو عمل وفي الحديث : " الدين النصيحة " " وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " . ويكثر إطلاق النصح على القول إلي فيه تنبيه للمخاطب إلى ما ينفعه ويدفعه عنه الضر .
وضده الغش . وأصل معناه أن يتعدى إلى المفعول بنفسه ويكثر أن يعدى إلى المفعول بلام زائدة دالة على معنى الاختصاص للدلالة على أن الناصح أراد من نصحه ذات المنصوح لا جلب خير لنفس الناصح ففي ذلك مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح مقصودا بها جانبه لا غير فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا وربما يقع تفاوت بين النفعين فيكون ترجيح نفع الناصح تقصيرا أو إجحافا بنفع المنصوح .
وفي الإتيان بالمضارع دلالة على تجديد النصح لهم وإنه غير تاركه من أجل كراهيتهم أو بذاءتهم .
وعقب ذلك بقوله ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) جمعا لمعان كثيرة مما تتضمنه الرسالة وتأييدا لثباته على دوام التبليغ والنصح لهم والاستخفاف بكراهيتهم وأذاهم لأنه يعلم ما لا تعلمونه مما يحمله على الاسترسال في عمله ذلك فجاء بهذا الكلام الجامع ويتضمن هذا الإجمال البديع تهديدا لهم بحلول عذاب بهم في العاجل والآجل وتنبيها للتأمل فيما أتاهم به وفتحا لبصائرهم أن تتطلب العلم بما لم يكونوا يعلمونه وكل ذلك شأنه أن يبعثهم على تصديقه وقبول ما جاءهم به .
و ( من ) ابتدائية أي : صار لي علم وارد من الله تعالى وهذه المعاني التي تضمنها هذا الاستدراك هي ما يسلم كل عاقل أنها من الهدى والصلاح وتلك هي أحواله وهم وصفوا حاله بأنه في ضلال مبين ففي هذا الاستدراك نعي على كمال سفاهة عقولهم .
وانتقل إلى كشف الخطأ في شبهتهم فعطف على كلامه قوله ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ) مفتتحا الجملة بالاستفهام الإنكاري بعد واو العطف وهذا مشعر بأنهم أحالوا أن يكون رسولا مستدلين بأنه بشر مثلهم كما وقعت حكايته في آية أخرى ( ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) .
واختير الاستفهام دون أن يقول : لا عجب إشارة إلى أن احتمال وقوع ذلك منهم مما يتردد فيه ظن العاقل بالعقلاء . فقوله ( أو عجبتم ) بمنزلة المنع لقضية قولهم ( إنا لنراك في ضلال مبين ) لأن قولهم ذلك بمنزلة مقدمة دليل على بطلان ما يدعوهم إليه .
وحقيقة العجب أنه انفعال نفساني يحصل عند إدراك شئ غير مألوف وقد يكون العجب مشوبا بإنكار الشيء المتعجب منه واستبعاده وإحالته كما في قوله تعالى ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى ( وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم ) . والذي في هذه الآية كناية عن الإنكار كما في قوله تعالى ( قالوا أتعجبين من أمر الله ) أنكروا عليها أنها عدت ولادتها ولدا وهي عجوز محالا .
A E وتنكير ( ذكر ) و ( رجل ) للنوعية إذ لا خصوية لذكر دون ذكر ولا لرجل دون رجل فإن الناس سواء والذكر سواء في قبوله لمن وفقه الله ورده لمن حرم التوفيق أي هذا الحدث الذي عظمتموه وضججتم له ما هو إلا ذكر من ربكم على رجل منكم . ووصف ( رجل ) بأنه منهم أي من جنسهم البشري فضح لشبهتهم ومع ما في الكلام من فضح شبهتهم فيه أيضا رد لها بأنهم أحقاء بأن يكون ما جعلوه موجب استبعاد واستحالة هو موجب القبول والإيمان إذ الشان أن ينظروا في الذكر الذي جاءهم من ربهم وأن لا يسرعوا إلى تكذيب الجائي به وأن يعلموا أن كون المذكر رجلا منهم أقرب إلى التعقل من كون مذكرهم من جنس آخر من ملك أو جني فكان هذا الكلام من جوامع الكلم في إبطال دعوى الخصم والاستدلال لصدق دعوى المجادل وهو يتنزل منزلة سند المنع في علم الجدل .
ومعنى ( على ) من قوله ( على رجل منكم ) يشعر بأن ( جاءكم ) ضمن معنى نزل : أي نزل ذكر من ربكم على رجل منكم وهذا مختار ابن عطية وعن الفراء أن ( على ) بمعنى مع