ويحتمل أن يكون مجازا بقرينة الخطاب أيضا أي فأعرض عن النظر إلى القرية بعد أصابتها بالصاعقة أو فأعرض عن الحزن عليهم واشتغل بالمؤمنين كما قال تعالى : ( لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ) .
فعلى الوجه الأول يكون قوله : ( يا قوم لقد أبلغتكم ) الخ مستعملا في التوبيخ لهم والتسجيل عليهم وعلى الوجه الثاني يكون مستعملا في التحسر أو في التبرئ منهم فيكون النداء تجسر فلا يقتضي كون أصحاب الاسم المنادى ممن يعقل النداء حينئذ مثل ما تنادي الحسرة في : يا حسرة .
A E وقوله : ( لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ) تفسيره مثل تفسير قوله في قصة نوح " عليه السلام " : ( أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ) . واللام في ( لقد ) لام القسم وتقدم نظيره عند قوله : ( لقد أرسلنا نوحا ) .
والاستدراك ب ( لكن ) ناشئ عن قوله : ( لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ) لأنه مستعمل في التبرؤ من التقصير في معالجة كفرهم سواء كان بحيث هم يسمعونه أم كان قاله في نفسه فذلك التبرؤ يؤذن بدفع توهم تقصير في الإبلاغ والنصيحة لانعدام ظهور فائدة الإبلاغ والنصيحة فاستدرك بقوله : ( ولكن لا تحبون الناصحين ) أي تكرهون الناصحين فلا تطيعونهم في نصحهم . لأن المحب لمن يحب مطيع فأراد بذلك الكناية عن رفضهم النصيحة .
واستعمال المضارع في قوله : ( لا تحبون ) إن كان في حال سماعهم قوله فهو للدلالة على التجديد والتكرير أي لم يزل هذا دأبكم فيكون ذلك آخر علاج لإقلاعهم إن كانت فيهم بقية للإقلاع عما هم فيه وإن كان بعد انقضاء سماعهم فالمضارع لحكاية الحال الماضية مثلها في قوله تعالى : ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ) .
( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين [ 80 ] إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون [ 81 ] ) عطف ( ولوطا ) على ( نوحا ) في قوله : ( لقد أرسلنا نوحا ) فالتقدير : وأرسلنا لوطا وتغيير الأسلوب في ابتداء قصة لوط وقومه إذ ابتدئت بذكر ( لوطا ) كما ابتدئت قصة بذكر نوح لأنه لم يكن لقوم لوط اسم يعرفون به كما لم يكن لقوم نوح اسم يعرفون به . و ( إذ ) ظرف متعلق ب ( أرسلنا ) المقدر يعني أرسلناه وقت قال لقومه وجعل وقت القول ظرفا للإرسال لإفادة مبادرته بدعوة قومه إلى ما أرسله الله به والمقارنة التي تقتضيها الظرفية بين وقت الإرسال ووقت قوله مقارنة عرفية بمعنى شدة القرب بأقصى ما يستطاع من مبادة التبليغ .
وقوم لوط كانوا خليطا من الكنعانيين وممن نزل حولهم . ولذلك لم يوصف بأنه أخوهم إذ لم يكن من قبائلهم وإنما نزل فيهم واستوطن ديارهم . ولوط " عليه السلام " هو ابن أخي إبراهيم " عليه السلام " كما تقدم في سورة الأنعام وطان لوط " عليه السلام " قد نزل ببلاد " سدوم " ولم يكن بينهم وبينه قرابة .
والقوم الذين أرسل إليهم لوط " عليه السلام " هم أهل قرية " سدوم " و " عمورة " من أرض كنعان وربما أطلق اسم سدوم وعمورة على سكانها . وهم أسلاف الفينيقيين وكانتا على شاطئ السديم وهو بحر الملح كما جاء في التوراة وهو البحر الميت المدعو " بحيرة لوط " بقرب أرشليم . وكانت قرب سدوم ومن معهم أحدثوا فاحشة استمتاع الرجال بالرجال فأمر الله لوطا " عليه السلام " لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمه إبراهيم " عليه السلام " أن ينهاهم ويغلظ عليهم .
فالاستفهام في ( أتأتون ) إنكاري توبيخي والإتيان المستفهم عنه مجاز في التلبس والعمل أي أتعملون الفاحشة وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي كناية مشهورة .
والفاحشة : الفعل الدنيء الذميم وقد تقدم الكلام عليها عند تفسير قوله تعالى : ( وإذا فعلوا فاحشة : والمراد هنا فاحشة معروفة فالتعريف للعهد .
وجملة : ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) مستأنفة استئنافا ابتدائيا فإنه بعد أن أنكر عليهم إتيان الفاحشة وعبر عنها بالفاحشة وبخهم بأنهم أحدثوها ولم تكن معروفة في البشر فقد سنوا سنة سيئة للفاحشين في ذلك .
ويجوز أن تكون جملة : ( ما سبقكم بها من أحد ) صفة للفاحشة ويجوز أن تكون حالا من ضمير : ( تأتون ) أو من : ( الفاحشة )