والتطهر تكلف الطهارة . وحقيقتها النظافة وتطلق الطهارة " مجازا " على تزكية النفس والحذر من الرذائل وهي المراد هنا وتلك صفة كمال لكن القوم لما تمردوا على الفسوق كانوا يعدون الكمال منافرا لطباعهم فلا يطيقون معاشرة أهل الكمال ويذمون ما لهم من الكمالات فيسمونها ثقلا ولذا وصفوا تنزه لوط " عليه السلام " وآله تطهرا بصيغة التكلف والتصنع ويجوز أن يكون حكاية لما في كلامهم من التهكم بلوط " عليه السلام " وآله وهذا من قلب الحقائق لأجل مشايعة العوائد الذميمة وأهل المجون والاخلاع يسمون المتعفف عن سيرتهم بالتائب أو نحو ذلك فقولهم ( إنهم أناس يتطهرون ) قصدوا به ذمهم .
A E وهم قد علموا هذا التطهر من خلق لوط " عليه السلام " وأهله لأنهم عاشروهم ورأوا سيرتهم ولذلك جيء بالخبر جملة فعليه مضارعيه لدلالتها على أن التطهر متكرر منهم ومتجدد وذلك أدعى لمنافرتهم طباعهم والغضب عليهم وتجهم إنكار لوط " عليه السلام " عليهم .
( فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين [ 83 ] وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين [ 84 ] ) قوله تعالى : ( فأنجيناه ) تعقيب لجملة : ( وما كان جواب قومه ) أو الجملة : ( قال لقومه ) وهذا التعقيب يؤذن بأن لوطا " عليه السلام " أرسل إلى قومه قبل حلول العذاب بهم بزمن قليل .
و ( أنجيناه ) مقدم من تأخير . والتقدير : فأمطرنا عليهم مطرا وأنجيناه وأهله فقدم الخبر بإنجاء لوط " عليه السلام " على الخبر بإمطارهم مطر العذاب لقصد إظهار الاهتمام بأمر إنجاء لوط " عليه السلام " ولتعجيل المسرة للسامعين من المؤمنين فتطمئن قلوبهم لحسن عواقب أسلافهم من مؤمني الأمم الماضية فيعلموا أن تلك سنة الله في عباده وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : ( فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك ) في هذه السورة .
وأهل لوط " عليه السلام " هم زوجه وابنتان له بكران وكان له ابنتان متزوجتان " كما ورد في التوراة " امتنع زوجاهما من الخروج مع لوط " عليه السلام " فهلكتا مع أهل القرية .
وأما امرأة لوط " عليه السلام " فقد أخبر الله عنها هنا أن الله لم ينجها فهلكت مع قوم لوط وذكر في سورة هود ما ظاهره أنها لم تمتثل ما أمر الله لوطا " عليه السلام " أن لا يلتفت هو ولا أحد من أهله الخارجين معه إلى المدن حين يصيبها العذاب فالتفتت امرأته فأصابها العذاب وذكر في سورة التحريم أن امرأة لوط " عليه السلام " كانت كافرة . وقال المفسرون : كانت تسر الكفر وتظهر الإيمان ولعل ذلك سبب التفاتها لأنها كانت غير موقنة بنزول العذاب على قوم لوط ويحتمل أنها لم تخرج مع لوط " عليه السلام " وان قوله : ( إلا امرأتك ) في سورة هود استثناء من ( أهلك ) لا من ( احد ) . لعل امرأة لوط " عليه السلام " كانت من أهل " سدوم " تزوجها لوط " عليه السلام " هنالك بعد هجرته فإنه أقام في " سدوم " سنين طويلة بعد أن هلكت أم بناته وقبل أن يرسل وليست هي أم بنتيه فإن التوراة لم تذكر امرأة لوط " عليه السلام " إلا في آخر القصة .
ومعنى ( من الغابرين ) من الهالكين والغابر يطلق على المنقضي ويطلق على اآتي فهو من أسماء الأضداد وأشهر إطلاقيه هو المنقضي ولذلك يقال : غبر بمعنى هلك وهو المراد هنا : أي كانت من الهالكين أي هلكت مع من هلك من أهل " سدوم " .
والإمطار مشتق من المطر والمطر اسم للماء النازل من السحاب يقال : مطرتهم السماء " بدون همزة " بمعنى نزل عليهم المطر كما يقال : غاثتهم ووبلتهم ويقال : مكان ممطور أي أصابه المطر ولا يقال : ممطر ويقال أمطروا " بالهمزة " بمعنى نزل عليهم من الجو ما يشبه المطر وليس هو بمطر فلا يقال : هم ممطرون ولكن يقال : هم ممطرون كما قال تعالى : ( وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) وقال ( فأمطر علينا حجارة من السماء ) كذا قال الزمخشري " هنا " وقال في سورة الأنفال : قد كثر الإمطار في معنى العذاب وعن أبي عبيدة أن التفرقة بين مطر وأمطر أن مطر للرحمة وأمطر للعذاب . وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف : ( قالوا هذا عارض ممطرنا ) فهو يعكر على كلتا التفرقتين ويعين أن تكون التفرقة أغلبية