وأما النهي عن بخس الناس أشياءهم فيرجع إلى حفظ حقوق البائع لأن المشتري هو الذي يبخس شيء البائع ليهيئه لقبول الغبن في ثمن شيئه وكلا هذين الأمرين حيلة وخداع لتحصيل ربح من المال .
والكيل مصدر ويطلق على ما يكال به وهو المكيال كقوله تعالى : ( ونزداد كيل بعير ) وهو المراد هنا : لمقابلته بالميزان ولقوله في الآية الأخرى : ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ) ومعنى . إيفاء المكيال والميزان أن تكون آلة الكيل وآلة الوزن بمقدار ما يقدر بها من الأشياء المقدرة . وإنما خص هذين التحيلين بالأمر والنهي المذكورين : لأنهما كانا شائعين عند مدين ولأن التحيلات في المعاملة المالية تنحصر فيهما إذ كان التعامل بين أهل البوادي منحصرا في المبادلات بأعيان الأشياء : عرضا وطلبا .
وبهذا يظهر أن النهي في قوله : ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) أفاد معنى غير الذي أفاده الأمر في قوله : ( فأوفوا الكيل والميزان ) . وليس ذلك النهي جاريا مجرى العلة للأمر أو التأكيد لمضمونه كما فسر به بعض المفسرين .
A E وما جاء في هذا التشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمة لأن المعاملات تعتمد الثقة المتبادلة بين الأمة وإنما تحصل بشيوع الأمانة فيها فإذا حصل ذلك نشط الناس للتعامل فالمنتج يزداد إنتاجا وعرضا في الأسواق والطالب من تاجر أو مستهلك يقبل على الأسواق آمنا لا يخشى غبنا ولا خديعة ولا خلابة فتتوفر السلع في الأمة وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها فيقوم نماء المدينة والحضارة على أساس متين ويعيش الناس في رخاء وتحابب وتآخ وبضد ذلك يختل حال الأمة بمقدار تفشي ضد ذلك .
وقوله : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) هذا الأصل الثاني من أصول دعوة شعيب " عليه السلام " للنهي عن كل ما يفضي إلى إفساد ما هو على حالة الصلاح في الأرض وقد تقدم القول في نظير هذا التركيب عند قوله تعالى : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا ) في أوائل هذه السورة .
والإشارة ب ( ذلكم ) إلى مجموع ما تضمنه كلامه أي ذلك المذكور ولذا أفرد اسم الإشارة . والمذكور : هو عبادة الله وحده وإيفاء الكيل والميزان وتجنب بخس أشياء الناس وتجنب الفساد في الأرض . وقد أخبر عنه بأنه خير لهم أي نفع وصلاح تنتظم به أمورهم كقوله تعالى : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ) . وإنما كان ما ذكر خيرا : لأنه يوجب هناء العيش واستقرار الأمن وصفاء الود بين الأمة وزوال الإحن المفضية إلى الخصومات والمقاتلات فإذا تم ذلك كثرت الأمة وعزت وهابها أعداؤها وحسنت أحدوثتها وكثر مالها بسبب رغبة الناس في التجارة والزراعة لأمن صاحب المال من ابتزاز ماله وفيه خير الآخرة لأن ذلك إن فعلوه امتثالا لأمر الله تعالى بواسطة رسوله أكسبهم رضى الله فنجوا من العذاب وسكنوا دار الثواب . فالتنكير في قوله : ( خير ) للتعظيم والكمال لأنه جامع خيري الدنيا والآخرة .
وقوله : ( إن كنتم مؤمنين ) شرط مقيد لقوله : ( ذلكم خير لكم ) والمؤمنون لقب للمتصفين بالإيمان بالله وحده كما هو مصطلح الشرائع وحمل المؤمنين على المصدقين لقوله ونصحه وأمانته : حمل على ما يأباه السياق بل المعنى أنه يكون خيرا إن كنتم مؤمنين بالله وحده فهو رجوع إلى الدعوة للتوحيد بمنزلة رد العجز على الصدر في كلامه ومعناه أن حصول الخير من الأشياء المشار إليها لا يكون إلا مع الإيمان لأنهم إذا فعلوها وهم مشركون لم يحصل منها الخير لأن مفاسد الشرك تفسد ما في الأفعال من الخير أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فإن الشرك يدعو إلى أضداد تلك الفضائل كما قال الله تعالى : ( وما زادوهم غير تتبيب ) أو يدعو إلى مفاسد لا يظهر معها نفع تلك المصالح . والحاصل أن المراد بالتقييد نفي الخير الكامل عن تلك الأعمال الصالحة إن لم يكن فاعلوها مؤمنين بالله حق الإيمان وهذا كقوله تعالى ( فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا ) . وتأويل الآية بغير هذا عدول بها عن مهيع الوضوح