وفي الحديث الصحيح قال جرير بن عبد الله بايعت النبي على شهادة أن لا إله إلا الله الخ فشرط على والنصح لكل مسلم ومنه قول ابن الزبير للذي سأله فلم يعطه فقال لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير " إن وراكبها " وقد لقبوه عطف التلقين كما في شرح التفتزاني على الكشاف وذلك لأن أكثر وقوع مثله في موقع العطف والأولى أن تحذف كلمة عطف ونسمى هذا الصنف من الكلام باسم التلقين وهو تلقين السامع المتكلم ما يراه حقيقا بأن يلحقه بكلامه فقد يكون بطريقة العطف وهو الغالب كما هنا وقد يكون بطريقة الاستفهام الانكاري والحال كقوله تعالى ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ) فإن الواو مع لو الوصلية واو الحال وليس واو العطف فهو إنكار على إلحاقهم المستفهم عنه بقولهم ودعواهم وقد يكون بطريقة الاستثناء كقول العباس لما قال النبي A في حرم مكة " لا يعضد شجره " فقال العباس إلا الإذخر لبيوتنا وقيننا وللكلام المعطوف عطف التلقين من الحكم حكم الكلام المعطوف هو عليه خبرا وطلبا فإذا كان كما هنا على طريق العرض علم إمضاء المتكلم له إياه بإقراره كما في الآية أو التصريح به كما وقع في الحديث إلا الإذخر ثم هو في الإنشاء إذا عطف معمول الإنشاء يتضمن أن المعطوف له حكم المعطوف عليه ولما كان المتكلم بالعطف في الإنشاء هو المخاطب بالإنشاء لزم تأويل عطف التلقين فيه بأنه على إرادة العطف على معمول لازم الإنشاء ففي الأمر إذا عطف المأمور مفعولا على مفعول الآمر كان المعنى زدني من الأمر فأنا بصدد الامتثال وكذا في المنهي . والمعطوف محذوف دل عليه المقام أي وبعض من ذريتي أو وجاعل بعض من ذريتي .
والذرية نسل الرجل وما توالد منه ومن أبنائه وبناته وهي مشتقة إما من الذر اسما وهو صغار النمل وإما من الذر مصدرا بمعنى التفريق وإما من الذرى والذرو " بالياء والواو " وهو مصدر ذرت الريح إذا سفت وإما من الذرء بالهمز وهو الخلق فوزنها إما فعلية بوزن النسب إلى ذر وضم الذال في النسب على غير قياس كما قالوا في النسب إلى دهر دهري بضم الدال وإما فعيلة أو فعولة من الذرى أو الذرو أو الذرء بإدغام اليائين أو الياء مع الواو أو الياء مع الهمزة بعد قلبها ياء وكل هذا تصريف لاشتقاق الواضع فليس قياس التصريف .
وإنما قال إبراهيم " ومن ذريتي " ولم يقل وذريتي لأنه يعلم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يقتدي بهم فلم يسأل ما هو مستحيل عادة لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء .
وإنما سأل لذريته ولم يقصر السؤال على عقبه كما هو المتعارف في عصبية القائل لأبناء دينه على الفطرة التي لا تقتضي تفاوتا فيرى أبناء الابن وأبناء البنت في القرب من الجد بل هما سواء في حكم القرابة وأما مبنى القبلية فعلى اعتبارات عرفية ترجع إلى النصرة والاعتزاز فأما قول : .
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد فوهم جاهلي وإلا فإن بني الأبناء أيضا بنوهم أبناء النساء الأباعد وهل يتكون نسل إلا من أب وأم . وكذا قول... .
وإنما أمهات الناس أوعية ... فيها خلقن وللأبناء أبناء فذلك سفسطة . وقد قال رسول الله A للذي سأله عن الأحق بالبر من أبويه " أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك " وقال الله تعالى ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ) .
وقوله تعالى ( لا ينال عهدي الظالمين ) استجابة مطوية بإيجاز وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز وإنما لم يذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر تعريضا بأن الذين يزعمون يومئذ أنهم أولى الناس بإبراهيم وهم أهل الكتاب ومشركو العرب هم الذين يحرمون من دعوته قال تعالى ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) ولأن المربى يقصد التحذير من المفاسد قبل الحث على المصالح فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من بيان الآخرين .
A E