و ( ينال ) مضارع نال نيلا بالياء إذا أصاب شيئا والتحق به أي لا يصيب عهدي الظالمين أي لا يشملهم فالعهد هنا بمعنى الوعد المؤكد .
وسمي وعد الله عهدا لأن الله لا يخلف وعده كما أخبر بذلك فصار وعده عهدا ولذلك سماه النبي عهدا في قوله أنشدك عهدك ووعدك أي لا ينال وعدي بإجابة دعوتك الظالمين منهم ولا يحسن أن يفسر العهد هنا بغير هذا وإن كان في مواقع من القرآن أريد به غيره وسيأتي ذكر العهد في سورة الأعراف .
ومن دقة القرآن اختيار هذا اللفظ هنا لأن اليهود زعموا أن الله عهد لإبراهيم عهدا بأنه مع ذريته ففي ذكر لفظ العهد تعريض بهم وإن كان صريح الكلام لتوبيخ المشركين . والمراد بالظالمين ابتداء المشركون أي الذين ظلموا أنفسهم إذ أشركوا بالله قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) والظلم يشمل أيضا عمل المعاصي الكبائر كما وقع في قوله تعالى ( ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) وقد وصف القرآن اليهود بوصف الظالمين في قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) فالمراد بالظلم المعاصي الكبيرة وأعلاها الشرك بالله تعالى .
وفي الآية تنبيه على أن أهل الكتاب والمشركين يومئذ ليسوا جديرين بالإمامة لاتصافهم بأنواع من الظلم كالشرك وتحريف الكتاب وتأويله على حسب شهواتهم والانهماك في المعاصي حتى إذا عرضوا أنفسهم على هذا الوصف علموا انطباقه عليهم . وإناطة الحكم بوصف الظالمين إيماء إلى علة نفي أن ينالهم عهد الله فيفهم من العلة أنه إذا زال وصف الظلم نالهم العهد .
وفي الآية أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقا لإسناد الإمامة إليه أعنى سائر ولايات المسلمين : الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك . قال فخر الدين قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له . وفي تفسير ابن عرفة تسليم ذلك ونقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصي فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة وهذا مع القدرة على خلعه فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه وأن الصبر على جوره أولى من استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي السفهاء والفساق في الأرض وهذا حكم كل ولاية في قول علماء السنة وما نقل عن أبي حنيفة من جواز كون الفاسق خليفة وعدم جواز كونه قاضيا قال أبو بكر الرازي الجصاص هو خطأ في النقل .
وقرأ الجمهور من العشرة ( عهدي ) بفتح ياء المتكلم وهو وجه من الوجوه في ياء المتكلم وقرأه حمزة وحفص بإسكان الياء .
( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطآئفين والعاكفين والركع السجود [ 125 ] ) تدرج في ذكر منقبة إبراهيم إذ جعل الله بيته بهذه الفضيلة وإذ أضافها إلى جلالته فقال بيتي واستهلال لفضيلة القبلة الإسلامية فالواو عاطفة على ابتلى وأعيدت إذ للتنبيه على استقلال القصة وأنها جديرة بأن تعد بنية أخرى ولا التفات إلى حصول مضمون هذه بعد حصول الأخرى أو قبله إذ لا غرض في ذلك في مقام ذكر الفضائل ولأن الواو لا تفيد ترتيبا . والبيت اسم جنس للمكان المتخذ مسكنا لواحد أو عدد من الناس في غرض من الأغراض . وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ليكون الساكن مستقلا به لنفسه ولمن يتبعه فيكون مستقرا له وكنا يكنه من البرد والحر وساترا يستتر فيه عن الناس ومحطا لأثاثه وشئونه وقد يكون خاصا وهو الغالب وقد يكون لجماعة مثل دار الندوة في العرب وخيمة الاجتماع في بني إسرائيل وقد يكون محيط البيت من حجر وطين كالكعبة ودار الندوة وقد يكون من أديم مثل القباب وقد يكون من نسيج صوف أو شعر قال تعالى ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ) ولا يكون بيتا إلا إذا كان مستورا أعلاه عن الحر والقر وذلك بالسقف لبيوت الحجر وبيوت الأديم والخيام .
A E