والبيت علم بالغلبة على الكعبة كما غلب النجم على الثريا . وأصل أل التي في الأعلام بالغلبة هي أل العهدية وذلك إذا كثر عهد فرد من أفراد جنس بين طائفة أو قوم صار اسم جنسه مع أل العهدية كالعلم له ثم قد يتعهدون مع ذلك المعنى الأصلي كما في النجم للثريا والكتاب للقرآن والبيت للكعبة وقد ينسى المعنى الأصلي إما بقلة الحاجة إليه كالصعق علم على خويلد بن نفيل وإما بانحصار الجنس فيه كالشمس .
والكعبة بيت بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده دون شريك فيأوي إليه من يدين بالتوحيد ويطوف به من يقصد تعظيم الله تعالى ولذلك أضافه إلى الله تعالى باعتبار هذا المعنى كما قال ( أن طهرا بيتي للطائفين ) وفي قوله ( عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة ) وقد عرفت الكعبة باسم البيت من عهد الجاهلية قال زهير : .
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم والمثابة مفعلة من ثاب يثوب إذا رجع ويقال مثابة ومثاب مثل مقامة ومقام والمراد بالمثابة أنه يقصده الناس بالتعظيم ويلوذون به . والمراد من الناس سكان مكة من ذرية إسماعيل وكل من يجاورهم ويدخل في حلفهم فتعريف الناس للجنس المعهود وتعليق للناس بمثابة على التوزيع أي يزوره ناس ويذهبون فيخلفهم ناس .
ولما كان المقصود من هذا ذكر منقبة البيت والمنة على ساكنيه كان الغرض التذكير بنعمة الله أن جعله لا ينصرف عنه قوم إلا ويخلفهم قوم آخرون فكان الذين يخلفون الزائرين قائمين مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه ويجوز حمل تعريف الناس على العهد أي يثوب إليه الناس الذين ألفوه وهم كمل الزائرين فهم يعودون إليه مرارا وكذلك كان الشأن عند العرب .
والأمن مصدر أخبر به عن البيت باعتبار أنه سبب أمن فجعل كأنه نفس الأمن مبالغة . والأمن حفظ الناس من الأضرار فتشريد الدعار وحراسة البلاد وتمهيد السبل وإنارة الطرق أمن والانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة وإرجاع الحقوق إلى أهلها أمن فالأمن يفسر في كل حال بما يناسبه ولما كان الغالب على أحوال الجاهلية أخذ القوي مال الضعيف ولم يكن بينهم تحاكم ولا شريعة كان الأمن يومئذ هو الحيلولة بين القوي والضعيف فجعل الله البيت أمنا للناس يومئذ أي يصد القوي عن أن يتناول فيه الضعيف قال تعالى ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) فهذه منة على أهل الجاهلية وأما في الإسلام فقد أغنى الله تعالى بما شرعه من أحكامه وما أقامه من حكامه فكان ذلك أمنا كافيا . قال السهيلي فقوله تعالى ( مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) إنما هو إخبار عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمة منه تعالى على أهل مكة فكان في ذلك مصلحة لذرية إسماعيل عليه السلام .
وقد اختلف الفقهاء في الاستدلال بهذه الآية وأضرابها على حكم إقامة الحدود والعقوبات في الحرم وسيأتي تفصيلها عند قوله تعالى ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) الآية وليس من غرض هذه الآية .
والمراد من الجعل في الآية إما الجعل التكويني لأن ذلك قدره الله وأوجد أسبابه فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ويسرهم إلى تعظيمه وإما الجعل أن أمر الله إبراهيم بذلك فأبلغه إبراهيم ابنه إسماعيل وبثه في ذريته فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلمة فدام ذلك الأمن في العصور والأجيال من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان وتم مراد الله تعالى فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف في حصار الحجاج في فتنة ابن الزبير ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن القرامطة حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي " نسبة إلى بلدة يقال لها جنابة بتشديد النون " كبير القرامطة إذ قتل بمكة آلافا من الناس وكان يقول لهم يا كلاب أليس قال لكم محمد المكي ومن دخله كان آمنا أي أمن هنا وهو جاهل غبي لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمنا في مدة الجاهلية إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم أو هو خبر مراد به الأمر مثل ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) .
A E