وقوله ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) قرأه نافع وابن عامر بصيغة الماضي عطفا على ( جعلنا ) فيكون هذا الاتخاذ من آثار ذلك الجعل فالمعنى ألهمنا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى أو أمرناهم بذلك على لسان إبراهيم فامتثلوا واتخذوه فهو للدلالة على حصول الجعل بطريق دلالة الاقتضاء فكأنه قيل جعلنا ذلك فاتخذوا وقرأه باقي العشرة بكسر الخاء بصيغة الأمر على تقدير القول أي قلنا اتخذوا بقرينة الخطاب فيكون العامل المعطوف محذوفا بالقرينة وبقي معموله كقول لبيد : .
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها أراد وباضت نعامها فإنه لا يقال لأفراخ الطير أطفال فمآل القراءتين إلى مفاد واحد .
و ( مقام إبراهيم ) يطلق على الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها يعبد الله تعالى ويدعو إلى توحيده قال زيد بن عمرو بن نفيل : .
عذت بما عاذ به إبراهم ... مستقبل الكعبة وهو قائم وبهذا الإطلاق جاء في قوله تعالى ( مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) إذ الدخول من علائق البيت ويطلق مقام إبراهيم على الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع لوضع الحجارة في أعلى الجدار كما أخرجه البخاري وقد ثبتت آثار قدميه في الحجر . قال أنس بن مالك رأيت في المقام أثر أصابعه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم وهذا الحجر يعرف إلى اليوم بالمقام وقد ركع النبي A في موضعه ركعتين بعد طواف القدوم فكان الركوع عنده من سنة الفراغ من الطواف .
والمصلى موضع الصلاة وصلاتهم يومئذ الدعاء والخضوع إلى الله تعالى وكان إبراهيم قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحجر الذي كان يرتفع عليه للبناء حولها فكان المصلى على الحجر المسمى بالمقام فذلك يكون المصلى متخذا من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين .
والقراءتان تقتضيان أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى كان من عهد إبراهيم عليه السلام ولم يكن الحجر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصا بصلاة عنده ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله A المسجد الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم . روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال : " وافقت ربي في ثلاث : قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وهذه الرواية تثير معنى آخر للآية وهي أن يكون الخطاب موجها للمسلمين فتكون جملة ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) معترضة بين جملة ( جعلنا البيت مثابة للناس ) وجملة ( وعهدنا إلى إبراهيم ) اعتراضا استطراديا وللجمع بين الاحتمالات الثلاثة في الآية يكون تأويل قول عمر فنزلت أنه نزل على النبي A شرع الصلاة عند حجر المقام بعد أن لم يكن مشروعا لهم ليستقيم الجمع بين معنى القراءتين واتخذوا بصيغة الماضي وبصيغة الأمر فإن صيغة الماضي لا تحتمل غير حكاية ما كان في زمن إبراهيم وصيغة الأمر تحتمل ذلك وتحتمل أن يراد بها معنى التشريع للمسلمين إعمالا للقرآن بكل ما تحتمله ألفاظه حسبما بيناه في المقدمة التاسعة .
وقوله ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) العهد أصله الوعد المؤكد وقوعه وقد تقدم آنفا عند قوله تعالى ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) فإذا عدي بإلى كان بمعنى الوصية المؤكد على الموصي العمل بها فعهد هنا بمعنى أرسل عهدا إليه أي أرسل إليه يأخذ منهم عهدا فالمعنى وأوصينا إلى إبراهيم وإسماعيل وقوله ( أن طهرا ) أن تفسيرية لأن الوصية فيها معنى القول دون حروفه فالتفسير للقول الضمني والمفسر هو ما بعد أن فلا تقدير في الكلام ولولا قصد حكاية القول لما جاء بعد أن بلفظ الأمر ولقال بتطهير بيتي الخ .
A E