والمراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ ليكون المتعبد فيه مقبلا على العبادة دون تكدير ومن تطهير معنوي وهو أن يبعد عنه ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق والمنافية للمروءة كالطواف عريا دون ثياب الرجال والنساء . وفي هذا تعريض بأن المشركين ليسوا أهلا لعمارة المسجد الحرام لأنهم لم يطهروه مما يجب تطهيره منه قال تعالى ( وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) وقال ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) .
والطائفون والعاكفون والراكعون والساجدون أصناف المتعبدين في البيت من طواف واعتكاف وصلاة وهم أصناف المتلبسين بتلك الصفات سواء انفردت بعض الطوائف ببعض هذه الصفات أو اجتمعت الصفات في طائفة أو طوائف وذلك كله في الكعبة قبل وضع المسجد الحرام وهؤلاء هم إسماعيل وأبناؤه وأصهاره من جرهم وكل من آمن بدين الحنيفية من جيرانهم .
وقد جمع الطائف والعاكف جمع سلامة وجمع الراكع والساجد جمع تكسير تفننا في الكلام وبعدا عن تكرير الصيغة أكثر من مرة بخلاف نحو قوله ( مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ) الآية وقوله ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) الآية وقال ابن عرفة " جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت وهو قرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده فلذلك لم يجمع جمع سلامة " وهذا الكلام يؤذن بالفرق بين جمع السلامة وجمع التكسير من حيث الإشعار بالحدوث والتجدد ويشهد له كلام أبي الفتح ابن جنى في شرح الحماسة عند قول الأحوص الأنصاري : .
فإذا تزول تزول عن متخمط ... تخشى بوادره على الأقران قال أبو الفتح " جاز أن يتعلق علي ببوادر وإن كان جمعا مكسرا والمصدر إذا كسر بعد بتكسيره عن شبه الفعل وإذا جاز تعلق المفعول به بالمصدر مكسرا نحو " مواعيد عرقوب أخاه " كان تعلق حرف الجر به أجوز " . فصريح كلامه أن التكسير يبعد ما هو بمعنى الفعل عن شبه الفعل .
وخولف بين الركوع والسجود زيادة في التفنن وإلا فإن الساجد يجمع على سجد إلا أن الأكثر فيهما إذا اقترنا أن يخالف بين صيغتيهما قال كثير : .
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا وقد علمتم من النحو والصرف أن جمع فاعل على فعول سماعي فمنه شهود وهجوع وهجود وسجود .
ولم يعطف السجود على الركع لأن الوصفتين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان .
( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا أمنا وارزق أهله من الثمرات من أمن منهم بالله واليوم الأخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير [ 126 ] ) عطف على ( وإذ جعلنا البيت مثابة ) لإفائدة منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام في استجابة دعوته بفضل مكة والنعمة على ساكنيها إذا شكروا وتنبيه ثالث لمشركي مكة يومئذ ليتذكروا دعوة أبيهم إبراهيم المشعرة بحرصه على إيمانهم بالله واليوم الآخر حتى خص من ذريته بدعوته المؤمنين فيعرض المشركون أنفسهم على الحال التي سألها أبوهم فيتضح لهم أنهم على غير تلك الحالة وفي ذلك بعث لهم على الاتصاف بذلك لأن للناس رغبة في الاقتداء بأسلافهم وحنينا إلى أحوالهم وفي ذلك كله تعريض بهم بأن ما يدلون به من النسب لإبراهيم ومن عمارة المسجد الحرام ومن شعائر الحج لا يغني عنهم من الإشراك بالله كما عرض بالآيات قبل ذلك باليهود والنصارى وذلك في قوله هنا ( ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) وبه تظهر مناسبة ذكر هذه المنقبة عقب قوله تعالى ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) .
واسم الإشارة في قوله ( هذا بلدا ) مراد به الموضع القائم به إبراهيم حين دعائه وهو المكان الذي جعل به امرأته وابنه وعزم على بناء الكعبة فيه إن كان الدعاء قبل البناء أو الذي بني فيه الكعبة إن كان الدعاء بعد البناء فإن الاستحضار بالذات مغن عن الإشارة الحسية باليد لأن تمييزه عند المخاطب مغن عن الإشارة إليه فإطلاق اسم الإشارة حينئذ واضح .
A E