وجملة ( لا نفرق بين أحد منهم ) حال أو استئناف كأنه قيل كيف تؤمنون بجميعهم فإن الإيمان بحق بواحد منهم وهذا السؤال المقدر ناشئ عن ضلالة وتعصب حيث يعتقدون أن الإيمان برسول لا يتم إلا مع الكفر بغيره وأن تزكية أحد لا تتم إلا بالطعن في غيره وهذه زلة في الأديان والمذاهب والنحل والأحزاب والأخلاق كانت شائعة في الأمم والتلامذة فاقتلعها الإسلام قال أبو على بن سينا في الإشارات ردا على من انتصر في الفلسفة لأرسطو وتنقص أفلاطون " والمعلم الأول وإن كان عظيم المقدار لا يخرجنا الثناء عليه إلى الطعن في أساتيذه " .
وهذا رد على اليهود والنصارى إذا آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمن جاء بعدهم فالمقصود عدم التفرقة بينهم في الإيمان ببعضهم وهذا لا ينافي اعتقاد أن بعضهم أفضل من بعض .
وأحد أصله وحد بالواو ومعناه منفرد وهو لغة في واحد ومخفف منه وقيل هو صفة مشبهة فأبدلت واوه همزة تخفيفا ثم صار بمعنى الفرد الواحد فتارة يكون بمعنى ما ليس بمتعدد وذلك حين يجري على مخبر عنه أو موصوف نحو ( قل هو الله أحد ) واستعماله كذلك قليل في الكلام ومنه اسم العدد أحد عشر وتارة يكون بمعنى فرد من جنس وذلك حين يبين بشيء يدل على جنس نحو خذ أحد الثوبين ويؤنث نحو قوله تعالى ( فتذكر إحداهما الأخرى ) وهذا الاستعمال كثير وهو قريب في المعنى من الاستعمال الأول وتارة يكون بمعنى فرد من جنس لكنه لا يبين بل يعمم وتعميمه قد يكون في الإثبات نحو قوله تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) وقد يكون تعميمه في النفي وهو أكثر أحوال استعماله نحو قوله تعالى ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) وقول العرب : أحد لا يقول ذلك وهذا الاستعمال يفيد العموم كشأن النكرات كلها في حالة النفي .
وبهذا يظهر أن أحد لفظ معناه واحد في الأصل وتصريفه واحد ولكن اختلفت مواقع استعماله المتفرعة على أصل وضعه حتى صارت بمنزلة معان متعددة وصار أحد بمنزلة المترادف وهذا يجمع مشتت كلام طويل للعلماء في لفظ أحد وهو ما احتفل به القرافي في كتابه " العقد المنظوم في الخصوص والعموم " .
وقد دلت كلمة ( بين ) على محذوف تقديره وآخر لأن بين تقتضي شيئين فأكثر .
وقوله ( ونحن له مسلمون ) القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفا عند قوله تعالى ( إلها واحدا ونحن له مسلمون ) .
( فإن أمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [ 137 ] ) كلام معترض بين قوله ( قولوا آمنا بالله ) وقوله ( صبغة الله ) والفاء للتفريع ودخول الفاء في الاعتراض وارد في الكلام كثيرا وإن تردد فيه بعض النحاة والتفريع على قوله ( قولوا آمنا بالله ) والمراد من القول أن يكون إعلانا أي أعلنوا دينكم واجهروا بالدعوة إليه فإن اتبعكم الذين قالوا ( كونوا هودا أو نصارى ) فإيمانهم اهتداء وليسوا قبل ذلك على هدى خلافا لزعمهم أنهم عليه من قولهم ( كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) فدل مفهوم الشرط على أنهم ليسوا على هدى ما داموا غير مؤمنين بالإسلام .
وجاء الشرط هنا بحرف إن المفيدة للشك في حصول شرطها إيذانا بأن إيمانهم غير مرجو .
والباء في قوله ( بمثل ما آمنتم به ) للملابسة وليست للتعدية أي إيمانا مماثلا لإيمانكم فالمماثلة بمعنى المساواة في العقيدة والمشابهة فيها باعتبار أصحاب العقيدة وليست مشابهة معتبرا فيها تعدد الأديان لأن ذلك ينبو عنه السياق وقيل لفظ مثل زائد وقيل الباء للآلة والاستعانة وقيل الباء زائدة وكلها وجوه متكلفة .
وقوله ( وإن تولوا فإنما هم في شقاق ) أي فقد تبين أنهم ليسوا طالبي هدى ولا حق إذ لا أبين من دعوتكم إياهم ولا إنصاف أظهر من هذه الحجة .
والشقاق شدة المخالفة مشتق من الشق بفتح الشين وهو الفلق وتفريق الجسم وجيء بفي للدلالة على تمكن الشقاق منهم حتى كأنه ظرف محيط بهم, والإتيان بإن هنا مع أن توليهم هو المظنون بهم لمجرد المشاكلة لقوله ( فإن آمنوا ) .
وفرع قوله ( فسيكفيكهم الله ) على قوله ( فإنما هم في شقاق ) تثبيتا للنبي A لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم .
A E