والصبغة هنا اسم للماء الذي يغتسل به اليهود عنوانا على التوبة لمغفرة الذنوب والأصل فيها عندهم الاغتسال الذي جاء فرضه في التوراة على الكاهن إذا أراد تقديم قربان كفارة عن الخطيئة عن نفسه أو عن أهل بيته والاغتسال الذي يغتسله الكاهن أيضا في عيد الكفارة عن خطايا بني إسرائيل في كل عام وعند النصارى الصبغة أصلها التطهر في نهر الأردن وهو اغتسال سنه النبي يحيى بن زكرياء لمن يتوب من الذنوب فكان يحيى يعظ بهم الناس بالتوبة فإذا تابوا أتوه فيأمرهم بأن يغتسلوا في نهر الأردن رمزا للتطهر الروحاني وكانوا يسمون ذلك " معموذيت " بذال معجمة وبتاء فوقية في آخره ويقولون أيضا ممعوذيتا بألف بعد التاء وهي كلمة من اللغة الآرامية معناها الطهارة وقد عربه العرب فقالوا معمودية بالدال المهملة وهاء تأنيث في آخره وياؤه التحتية مخففة وكان عيسى بن مريم حين تعمد بماء المعمودية أنزل الله عليه الوحي بالرسالة ودعا اليهود إلى ما أوحى الله به إليه وحدث كفر اليهود بما جاء به عيسى وقد آمن به يحيى فنشأ الشقاق بين اليهود وبين يحيى وعيسى فرفض اليهود التعميد وكان عيسى قد عمد الحواريين الذين آمنوا به فتقرر في سنة النصارى تعميد من يدخل في دين النصرانية كبيرا وقد تعمد قسطنطين قيصر الروم . حين دخل في دين النصرانية أما من يولد للنصارى فيعمدونه في اليوم السابع من ولادته . وإطلاق اسم الصبغة على المعمودية يحتمل أن يكون من مبتكرات القرآن ويحتمل أن يكون نصارى العرب سموا ذلك الغسل صبغة ولم أقف على ما يثبت ذلك من كلامهم في الجاهلية وظاهر كلام الراغب أنه إطلاق قديم عند النصارى إذ قال " وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء معمودية يزعمون أن ذلك صبغة لهم " . أما وجه تسمية المعمودية " صبغة " فهو خفي إذ ليس لماء المعمودية لون فيطلق على التلطخ به مادة ص ب غ وفي دائرة المعارف الإسلامية أن أصل الكلمة من العبرية ص ب ع أي غطس . فيقتضي أنه لما عرب أبدلوا العين المهملة غينا معجمة لعله لندرة مادة صبغ بالعين المهملة في المشتقات وأيا ما كان فإطلاق الصبغة على ماء المعمودية أو على الاغتسال به استعارة مبنية على تشبيه وجهه تخييلي إذ تخيلوا أن التعميد يكسب المعمد به صفة النصرانية ويلونه بلونها كما يلون الصبغ ثوبا مصبوغا وقريب منه إطلاق الصبغ على عادة القوم وخلقهم وأنشدوا لبعض ملوك همدان : .
وكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ .
صبغنا على ذلك أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ وقد جعل النصارى في كنائسهم أحواضا صغيرة فيها ماء يزعمون أنه مخلوط ببقايا الماء الذي أهرق على عيسى حين عمده يحيى وأن ما تقاطر منه جمع وصب في ماء كثير ومن ذلك الماء تؤخذ مقادير تعتبر مباركة لأنها لا تخلو عن جزء من الماء الذي تقاطر من اغتسال عيسى حين تعميده كما قال في أوائل الأناجيل الأربعة .
فقوله ( صبغة الله ) رد على اليهود والنصارى معا أما اليهود فلأن الصبغة نشأت فيهم وأما النصارى فلأنها سنة مستمرة فيهم ولما كانت المعمودية مشروعة لهم لغلبة تأثير المحسوسات على عقائدهم رد عليهم بأن صبغة الإسلام الاعتقاد والعمل المشار إليهما بقوله ( قولوا آمنا بالله ) إلى قوله ( ونحن له مسلمون ) أي إن كان إيمانكم حاصلا بصبغة القسيس فإيماننا بضبغ الله وتلوينه أي تكييفه الإيمان في الفطرة مع إرشاده إليه فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة علاقتها المشابهة وهي مشابهة خفية حسنها قصد المشاكلة والمشاكلة من المحسنات البديعية ومرجعها إلى الاستعارة وإنما قصد المشاكلة باعث على الاستعارة وإنما سماها العلماء المشاكلة لخفاء وجه التشبيه فأغفلوا أن يسموها استعارة وسموها المشاكلة وإنما هي الإتيان بالاستعارة لداعي مشاكلة لفظ للفظ وقع معه . فإن كان اللفظ المقصود مشاكلته مذكورا فهي المشاكلة ولنا أن نصفها بالمشاكلة التحقيقية كقول ابن الرقعمق .
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا استعار الطبخ للخياطة لمشاكلة قوله نجد لك طبخه وإن كان اللفظ غير مذكور بل معلوما من السياق سميت مشاكلة تقديرية كقول أبي تمام :